لَا تُبۡقِی وَلَا تَذَرُ٢٨
الرسم الإملائيّ
لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ
الجزء ٢٩الربع ٢٣٠ صفحة ٥٧٦
تفسيرها
}إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18)﴿ تعليل للوعيد، أو بيان للعناد؛ والمعنى: فكر فيما يخيل طعنا في القرآن، وقدر في نفسه ما يقول فيه، ﴾ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19)﴿ تعجب من تقديره استهزاء به، ﴾ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20)﴿ تكرير للمبالغة ﴾ ثُمَّ نَظَرَ (21)﴿ قيل: في أمر القرآن مرة بعد أخرى، ﴾ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22)﴿ قطب وجهه لما لم يجد فيه طعنا، ولم يدر ما يقول، ﴾ ثُمَّ أَدْبَرَ﴿ عن الحق، ﴾ وَاسْتَكْبَرَ (23)﴿ عن اتباعه، ﴾ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24)﴿ يروى ويتعلم،﴾ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28)﴿ لا تبقي على شيء فيها ولا تدعه حتى يهلك، لأن طبعها الإذهاب لما يلقى فيها، إلا من أدخل للتعذيب، فإنه مخلد فيها، ﴾ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)﴿ ملكا، أو صنفا من الملائكة يلون أمرها. ﴾وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴿ ليخالفوا جنس المعذبين، فلا يرقوا لهم، ولا يستروحون إليهم، ولأنهم أقوى الخلق بأسا وأشدهم غضبا لله، ﴾ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا{ وما جعلنا عددهم إلا العدد الذي اقتضى فتنتهم، وهو التسعة عشر، فعبر بالأثر عن المؤثر تنبيها على أنه لا ينفك منه؛ وافتتانهم به: استقلالهم له، واستهزاؤهم به، واستبعادهم أن يتولى هذا العدد القليل تعذيب أكثر الثقلين.
افتحه في القارئ · صفحة ٥٬٥٢٣
قال تعالى : ﴿ لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ ﴾ أي : لا تبقي ، إذا دخلها ، شيئاً من لحمه ودمه وشعره وبشره وعظامه وأحشائه حتى تهجم على الفؤاد فتطبخ الفؤاد . فإذا انتهت إلى الفؤاد لم تجد شيئاً تتعلق به . ثم يجدد الله خلقه فتأكله أيضاً . وهو قوله : ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ﴾ [ النساء : 56 ] .
وقال مجاهد : ﴿ لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ ﴾ أي : لا تحيي ولا تميت . قوله عز وجل : ﴿ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ ﴾ أي : محرقة للجلد ، تأكل كل شيء إلا الفؤاد . ﴿ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ .
لما نزلت قال أبو جهل : يا معشر قريش إني أرى محمداً يخوّفكم بخزنة النار ، ويزعم أنهم تسعة عشر وأنتم الدَّّهم ، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم فتخرجوا منها؟ فقال أبو الأشد الجمحي : أنا أكفيكم منهم سبعة عشر : عشرة على ظهري وسبعة على صدري ، فاكفوني أنتم اثنين . فأنزل الله :
﴿ وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً ﴾ [ أي : فمن يطيقهم ] ﴿ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً ﴾ أي بلية ﴿ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الكِتَابَ ﴾ لأنهم في كتبهم تسعة عشر ﴿ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُواْ إِيمَاناً ﴾ أي : تصديقاً ﴿ وَلاَ يَرْتَابَ ﴾ أي : ولا يشك ﴿ الَّذينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالْمُؤمِنُونَ ﴾ أي : فيما أنزل الله من عددهم ﴿ وَلِيَقُولَ الَّذينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ أي : نفاق ﴿ وَالْكَافِرُونَ ﴾ أي الجاحدون ﴿ مَاذَآ أَرَادَ الله بِهَذَا مَثَلاً ﴾ [ أي : ذكرها ] وذلك منهم استهزاء وتكذيب .
قال الله : ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَن يَشَآءُ ﴾ بترك الإِيمان بالقرآن الذي فيه التسعة عشر . ﴿ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ﴾ .
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث ليلة أسري به قال : فعرج بي حتى انتهيت إلى باب الحفظة وعليه ملك يقال له إسماعيل جنده سبعون ألف ملك . ثم تلا هذه الآية : ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ﴾ .
قال : ﴿ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ ﴾ تفسير الحسن وغيره : يعني النار : رجع إلى قوله : ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٥٬٥٢٣
أى هى لواحة للناس أو للإنسان أو للجلود و الجلد الواحد بشرة ، والمعنى مغيرة لظاهر الجلود بالتسويد وبعد ذلك تهلكهم ولا بأْس بذكر التغيير بعدما ذكر ما هو أعظم وهو الإِهلاك لأَن المراد ذكر أوصافها ولا سيما إِن قلنا التغيير عند القرب منها والإِهلاك بعد ثم إِنهم لا يخلون عنلون كلما هلكوا وعادوا وذلك اللون هو السواد بها حتى إِنهم لأَشد سواداً من الليل ، يقال لاحه يلوحه إِذا غيره ، أو لواحة ظاهره ظهوراً عظيماً للناس أو للإِنسان كقوله تعالى : ﴿ وبرزت الجحيم لمن يرى ﴾ وجاء أنها تظهر لهم من مسيرة خمسمائة عام تجر بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون الف ملك .
افتحه في القارئ · صفحة ٥٬٥٢٣