عَلَیۡهَا تِسۡعَةَ عَشَرَ٣٠
الرسم الإملائيّ
عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ
الجزء ٢٩الربع ٢٣٠ صفحة ٥٧٦
تفسيرها
}إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18)﴿ تعليل للوعيد، أو بيان للعناد؛ والمعنى: فكر فيما يخيل طعنا في القرآن، وقدر في نفسه ما يقول فيه، ﴾ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19)﴿ تعجب من تقديره استهزاء به، ﴾ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20)﴿ تكرير للمبالغة ﴾ ثُمَّ نَظَرَ (21)﴿ قيل: في أمر القرآن مرة بعد أخرى، ﴾ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22)﴿ قطب وجهه لما لم يجد فيه طعنا، ولم يدر ما يقول، ﴾ ثُمَّ أَدْبَرَ﴿ عن الحق، ﴾ وَاسْتَكْبَرَ (23)﴿ عن اتباعه، ﴾ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24)﴿ يروى ويتعلم،﴾ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28)﴿ لا تبقي على شيء فيها ولا تدعه حتى يهلك، لأن طبعها الإذهاب لما يلقى فيها، إلا من أدخل للتعذيب، فإنه مخلد فيها، ﴾ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)﴿ ملكا، أو صنفا من الملائكة يلون أمرها. ﴾وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴿ ليخالفوا جنس المعذبين، فلا يرقوا لهم، ولا يستروحون إليهم، ولأنهم أقوى الخلق بأسا وأشدهم غضبا لله، ﴾ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا{ وما جعلنا عددهم إلا العدد الذي اقتضى فتنتهم، وهو التسعة عشر، فعبر بالأثر عن المؤثر تنبيها على أنه لا ينفك منه؛ وافتتانهم به: استقلالهم له، واستهزاؤهم به، واستبعادهم أن يتولى هذا العدد القليل تعذيب أكثر الثقلين.
افتحه في القارئ · صفحة ٥٬٥٢٥
قال تعالى : ﴿ لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ ﴾ أي : لا تبقي ، إذا دخلها ، شيئاً من لحمه ودمه وشعره وبشره وعظامه وأحشائه حتى تهجم على الفؤاد فتطبخ الفؤاد . فإذا انتهت إلى الفؤاد لم تجد شيئاً تتعلق به . ثم يجدد الله خلقه فتأكله أيضاً . وهو قوله : ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ﴾ [ النساء : 56 ] .
وقال مجاهد : ﴿ لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ ﴾ أي : لا تحيي ولا تميت . قوله عز وجل : ﴿ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ ﴾ أي : محرقة للجلد ، تأكل كل شيء إلا الفؤاد . ﴿ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ .
لما نزلت قال أبو جهل : يا معشر قريش إني أرى محمداً يخوّفكم بخزنة النار ، ويزعم أنهم تسعة عشر وأنتم الدَّّهم ، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم فتخرجوا منها؟ فقال أبو الأشد الجمحي : أنا أكفيكم منهم سبعة عشر : عشرة على ظهري وسبعة على صدري ، فاكفوني أنتم اثنين . فأنزل الله :
﴿ وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً ﴾ [ أي : فمن يطيقهم ] ﴿ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً ﴾ أي بلية ﴿ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الكِتَابَ ﴾ لأنهم في كتبهم تسعة عشر ﴿ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُواْ إِيمَاناً ﴾ أي : تصديقاً ﴿ وَلاَ يَرْتَابَ ﴾ أي : ولا يشك ﴿ الَّذينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالْمُؤمِنُونَ ﴾ أي : فيما أنزل الله من عددهم ﴿ وَلِيَقُولَ الَّذينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ أي : نفاق ﴿ وَالْكَافِرُونَ ﴾ أي الجاحدون ﴿ مَاذَآ أَرَادَ الله بِهَذَا مَثَلاً ﴾ [ أي : ذكرها ] وذلك منهم استهزاء وتكذيب .
قال الله : ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَن يَشَآءُ ﴾ بترك الإِيمان بالقرآن الذي فيه التسعة عشر . ﴿ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ﴾ .
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث ليلة أسري به قال : فعرج بي حتى انتهيت إلى باب الحفظة وعليه ملك يقال له إسماعيل جنده سبعون ألف ملك . ثم تلا هذه الآية : ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ﴾ .
قال : ﴿ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ ﴾ تفسير الحسن وغيره : يعني النار : رجع إلى قوله : ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٥٬٥٢٥
الأَصل فى العدد عند الإِطلاق الصرف إِلى الإِفراد لا إِلى المئات أو الآلاف إِلا بدليل ، فعليها تسعة عشر ملكاً خازناً وقائماً عليها ، وأما المعذبون لأَهلها فلا يحصى عددهم إِلا الله تعالى وهم أقوياء يسوق أحدهم أمة من الناس وعلى رقبته جبل يرميهم فى النار ويلقى عليهم الجبل ، قال أبو جهل سمعت أن محمداً يقول : إِن خزنة النار تسعة عشر رجلا أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم؟ فقال له أبو الأَشد بن أسيد بن كلدة الجمحى وكان شديداً : أنا أكفيكم سبعة عشر ، عشرة على ظهرى وسبعة على بطنى فاكفونى أنتم اثنين . وعنه : أدفع عشرة بمنكبى الأَيمن وتسعة بالأَيسر عن الصراط فنمضى إِلى الجنة ، وقيل تسعة عشر صفاً ، وقيل تسعة عشر صنفاً ، ويردهما حديث أبى جهل إِذ سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - به ولم يخبره أ ، هم صفوف أو أنواع وكذا كلام الجمحى ويردهما أيضاً أنه عاب عليهم استقلالهم بقوله عز وجل : ﴿ وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ﴾ افتتنوا بقلة عددهم وبتوهم أنهم يلون عذاب أهل النار بأَنفسهم وليس كذلك فإِن التسعة عشر رقباء على الزبانية المعذبين لأَهلها وحكمة التسعة عشر فيما قيل -والله أعلم- الحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة والقوة الباعثة كالغضبية والشهوية والقوة المحركة فهذه اثنتا عشرة والطبعية السبع وهى الثلاث المخدومة القوة النامية والغادية والمولدة وألأَربع الخادمة الهاضمة والجادية والدافعة والماسكة أو جهنم سبع ست للمشركين يعذبون بثلاث : الاعتقاد ، وترك القول ، وترك العمل أنواعاً من العذاب ، والثلاث فى الست بثمانية عشر لكل صنف ملائكة يعذبونها وهم ثمانية عشر صنفا وواحدة لعاصة الموحدين ، لهم صنف من الملائكة يعذبونهم بترك العمل نوعا يناسبه قيل إِن الساعات أربع وعشرون ، خمس للصلاة لم يخلق فى مقابلتها زبانية لبركة الصلاة الشاملة لمن لم يصل فتبقى تسعة عشر أو لأَصناف المشركين ست دركات وناسب أنصنفاً من الملائكة فى الوسط واثنان فى الطرفين وذلك بالضرب ثمانية عشر وبقيت واحدة للعصاة الموحدين أو أن العدد قليل من الواحد إِلى التسعة وكثير من العشرة إِلى مالا نهاية فجمع بين نهاية القليل وهو تسعة عشر وبداية الكثير وهو عشرة فالعدد جامع بين أكثر القليل وأقل الكثير ويقال ستة يقودونهم إِلى النار وستة يسوقونهم وستة يضربونهم والتاسع عشر مالك خازن النار ، وقيل فيها تسعة عشر دركاً على كل درك ملك ، وقيل تسعة عشر لوناً من العذاب لكل لون ملك والله أعلم بحقيقة الأَمر .
افتحه في القارئ · صفحة ٥٬٥٢٥