سورة النازعات · الآية ٢٣ من ٤٦

‹ السورة السابقة
فَحَشَرَ فَنَادَىٰ٢٣
الرسم الإملائيّ

فَحَشَرَ فَنَادَى

الجزء ٣٠الربع ٢٣٣ صفحة ٥٨٤

تفسيرها

[سورة النازعات — آية 23]

}هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15)﴿؟ أليس قد أتاك حديثه، فيسليك على تكذيب قومك، ﴾ إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18)﴿؟ هل لك ميل إلى أن تتطهر من الكفر والطغيان، (لعله) وما عداه وبال عليك، كما قال: ﴾لا خيرَ فيِ كثير من نَّجْوَاهم ....﴿ الآية؛ ﴾ وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴿ وأرشدك إلى معرفته ﴾ فَتَخْشَى (19)﴿ بأداء الواجبات وترك المحرمات، إذ الخشية إنما تكون بعد المعرفة؛ ﴾ فَأَرَاهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى (20)﴿ أي: فذهب وبلغ، فأراه المعجزة الكبرى، ﴾ فَكَذَّبَ وَعَصَى (21)﴿ بعد ظهور الآية وتحقق الأمر، ﴾ ثُمَّ أَدْبَرَ﴿ عن الطاعة ﴾ يَسْعَى (22)﴿ سعيا في إبطال أمره، ﴾ فَحَشَرَ﴿ فجمع السحرة، أو جنوده، ﴾ فَنَادَى (23)﴿ في المجمع بنفسه، أو مناد؛﴾ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)﴿ كل من يلي أمركم، ﴾فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى (25)﴿ أخذا منكلا لمن حل به في الآخرة بالإحراق، وفي الدجنيا بالإغراق، ﴾ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26){ لمن كان من شأنه الخشية.

افتحه في القارئ · صفحة ٥٬٧٣٥

[سورة النازعات — آية 23]

قال الله عز وجل : ﴿ فَأَرَاهُ الأَيَةَ الْكُبْرَى ﴾ أي : اليد ، وهي أكبر الآيات التسع التي أتاه بها . قال تعالى : ﴿ فَكَذَّبَ وَعَصَى ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى فَحَشَرَ فَنَادَى ﴾ أي : فجمع قومه ﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٬٧٣٥

[سورة النازعات — آية 23]

زاد إِدباراً أعظم كما دل عليه ثم فإِن حشره ونداءه فيه العصيان المذكور وزيادة السعى والعلاج فى إِبطال الحق وليس لفظ ثم كما قيل يفيد أ ، َّ تَقَضّى الأَبطال يستدعى زمانا طويلا وذلك إِدبار عقلى ويجوز أن يكون حسياً بأَن أدبر عن المجلس ساعياً فى إِبطال أمر موسى أو هاربأً عن الثعبان إِذ ألقى عصاه فصارت ثعباناً أشعر أفغر فاه بين لحييه ثمانون ذراعاً لحيه الأَسفل فى الأَرض أو على سور القصر وأحدث فرعون فى ذلك اليوم سبعين مرة ومات من قومه فى هروبهم خمسة وعشرون ألفا أو انقلبت حية وارتفعت فى الهواء قدر ميل وانحطت نحو فرعون تقول مرنى يا موسى بما شئت وفرعون يقول أنشدك يا موسى الذى أرسلك إِلا أخذتها فأَخذ الثعبان أو الحية فصار عصا وبحث بعض بأَنه إِن كان هذا بعد حشر السحرة للمعارضة فلا تصح إِرادته هنا إِن أريد بالحشر فى قوله تعالى فحشر حشر السحرة وإِن كان بعد التكذيب وقيل حشرهم فلا يظهر تراخيه عن ألأَولين إِلا إِن قيل ثم لاستبعاد إِدباره مرعوباً مع دعوى الأُلوهية ، وقيل أدبر أقبل من قولهم أقبل يفعل أى أنشأَ يفعل لكن جعل الإِدبار فى موضع الإِقبال لأَن إِقباله فى ذلك إِدبار له وتدمير كما تقول شرع فلان يخزى نفسه إِذا شرع فى فعل يديعه خيراً له وهو هلاك له .

﴿ فَحَشَرَ ﴾ جمع السحرة كقوله تعالى فأَرسل فرعون فى المدائن حاشرين وقوله تعالى : فجمع كيده ثم أتى ، أى ما يكيد به من السحرة وآلاتهم أو جمع جنوده أو أهل مملكته . ﴿ فَنَادَى ﴾ بلسانه كما هو الأَصل والمتبادر وكما يدل له قوله عنه . ﴿ فَقَالَ ﴾ أى فى الحاضرين ليعلموا وينشروا قوله . ﴿ أنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى ﴾ إِذ لو نادى غيره لقال يقول فرعون أنا ربكم الأَعلى فيكون قد قام فيهم خطيبا ، فقال ذلك فى جملة خطبته وإِن قال غيره فقد قال يقول فرعون أنا ربكم الأَعلى والأَرباب كلها دونى ومربوبة لى مثل الأَصنام يدعيها آلهة تحته أو يقول كل كبير إِله على من تحته حتى الأَب إِنه إِله لولده أو أراد تفضيل نفسه على غيره . ﴿ فَأَخَذَهُ اللهُ ﴾ أهلكه أو عذبه . ﴿ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى ﴾ الدنيا عذابا ينكل بسماعه أى يتأَخر عن موجبه وهو مفعول مطلق لمحذوف مؤكد أى نكل الله به نكال الآخرة والأُولى أو مفعول مطلق لأَخذه والمراد بالأَخذ النكال ونكال الدنيا الإِغراق والإِذلال ونكال الآخرة عذاب النار ، وقيل العذاب الذى تستحقه الكلمة الآخرة التى هى أنا ربكم الأَعلى والعذاب الذى تستحقه الكلمة الأُولى ما علمت لكم من إِله غيرى أو بالعكس وبين الأُولى والآخرة أربعون سنة ، وقيل الأُولى كفره وعصيانه والآخرة أنا ربكم الأَعلى ، وقيل أولى معاصيه وآخرها .

﴿ إِنَّ فِى ذَلِكَ ﴾ المذكور من قصة فرعون وما فعل ومن فعل به . ﴿ لَعِبْرَةً ﴾ عظيمة . ﴿ لِّمَن يَخْشَى ﴾ من شأنه الخشية أو كتب الله أن يخشى . ﴿ أأنْتُمْ أشَدُ خَلْقاً ﴾ أيها المقسم عليك بالنازعات لتبعثن . ﴿ أمِ السَّمَاءُ ﴾ عطف على أنتم مقدم فى التقدير على أشد لا بد أن يقولوا السماء أشد لعظم وسعها وغلظها وانطوائها على بدائع لا يدركها العقل قدر على خلقها فكيف لا يقدر على بعثكم وقد كنتم من قبل ولا يصعب عليه تعالى شئ وفصل خلقها بقوله . ﴿ بَنَاهَا ﴾ إِلى ضحاها وأضمر فى بنى ورفع وسوى وأغطش وأخرج تعظيماً له بأَنه معلوم بهذه الأَفعال لا يشارك فيها ولا يتوهم غيره . ﴿ رَفَعَ سَمْكَهَا ﴾ رفع رفعها وذلك مبالغة فى ارتفاعها حتى أن بينها وبينكم خمسمائة عام لو كان ذلك الجو مبسوطا على الأَرض أو يعد قطع المسافة بالطيران كقوله أظل الله ظلك ورفع ارتفاع درجتك فى المبالغة أو رفع السطح الذى يلى السماء الثانية على السكح الذى يلى الأَرض ، وذلك غلظها خمسمائة عام . ﴿ فَسَوَّاهَا ﴾ لم يجعل فيها نتوءا ولا عوجا ولا زاوية ولا خشونة ولا حفيرة ولا حفيرة ولا تختلف بذلك ، وقيل تسويتها إِكمال خلقتها على وجه حسن ، وقيل تزيينها بالكواكب والقمرين وهى بسيطة وشهر أنها كرية وهل التسوية من أول قيل نعم وقيل بعد وهو الوارد فى الخبر . ﴿ وَأغْطَشَ لَيْلَهَا ﴾ أظلمه الله من غطش الليل بالرفع والفعل لازم تعدى بالهمزة ويقال أيضاً غشطه الله بتعد بنفسه . ﴿ وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ﴾ أبرز نهارها سمى النهار باسم جزئه الأَعظم وهو الضحى وهو وقت انبساط الشمس وهو شباب النهار ويدل على إِرادة النهار كله به مقابلة الليل به وقيل الضحى الضوء فيقدر مضاف أى ضحى شمسها ولا شك أن الضوء ولا سيما شباب الزمان أطيب لامتعاش الأَرواح فى الدنيا فناسب الاحتجاج به رد الأَرواح إِلى الأَجساد بالبعث وأَاف الليل والضحى إِلى السماء لأَنهما يحدثان بطلوع الشمس وغروبها وهى سماوية أو لأَنهما يحصلان بسبب حركتها على القول باتحادها مع الفلك أو لأَنهما يحصلان بحركة الشمس فى فلكها فيها على تغاير الفلك والسماء ، وأن المتحرك إِنما هو الكواكب كما فى قوله تعالى وكل فى فلك يسبحون ولأَنهما أول ما يظهران منها فإِن أول الليل باقبال الظلام من المشرق وأول النهار بطلوع الفجر . ﴿ وَالأَرْضَ ﴾ منصوب على الاشتغال وقيل منصوب بتذكر أو تدبر أو اذكر محذوفا ، ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ المذكور من خلق السماء وإِغطاش الليل وإِخراج النهار . ﴿ دَحَاهَا ﴾ بسطها للسكنى والانتفاع بها من الدحو أو الدحى فأَلفه عن واو أو عن ياء وقيل دحاها سواها والأَكثر على الأَول ودحيها أو تسويتها بعد خلقها أو معه قولان والأَول عن ابن عباس قال الحسن كانت يوم خلقت على هيئة الفهر وحصل الجمع بين هذه الآية وقوله تعالى ثم استوى إِلى السماء بأَن خلق الأَرض متقدم عن خلق السماء ودحوها متأَخر عن خلق السماء وقيل بعد معنى مع كما قيل فى قوله تعالى عتل بعد ذلك زنيم أى مع ذلك والذى يظهر لى أن المراد بالبعدية فى الآية بعدية الإِخبار كما تقول أكل زيد رطل لحم صبحاً وأكل بعده فى ليلته رطلين أى أخبرك بكذا بعد ما سمعت كذا ، قال ابن عباس خلق الله تعالى الأَرض ثم السماء ثم دحا الأَرض واعترض بأَنه يستحيل الجسم العظيم أن يكون بلا دحو لظاهره وأُجيب بأَن خلق الأَرض السابق خلق مادتها واعترض كون الأَرض يوم خلقت كالفر بقوله تعالى : خلق لكم ما فى الأَرض جميعا ثم استوى إِلى السماء وخلق ما فيها إِنما هو بعد الدحو وأُجيب بأَن خلق بمعنى قدر أو أراد الخلق وقيل ثم للتراخى الرتبى وخلق السماء أعجب من خلق الأَرض ، ويروى أن الله تعالى خلق جرم الأَرض يوم الأَحد ويوم الاثنين ودحاها وخلق ما فيها يوم الثلاثاء ويم الأَربعاء وخلق السماوات وما فيها فى يوم الخميس والجمعة وفى آخر يوم الجمعة كمل خلق آدم واختار قوم تقدم خلق السماء على الأَرض وخلق ما فيها بعد خلق الأَرض .

﴿ أخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا ﴾ المخزون فيها بتفجيره عيونا . ﴿ وَمَرْعضاهَا ﴾ رعيها بكسر الراء أى ما يرعى من نباتها وأصله مصدر ميمى بمعنى مفعول أطلق على ما يعم ما يأكل الآدمى تجوزا لعلاقة الإِطلاق والتقييد وهو أعم فائدة بأَن يفسر بما ترعى الحيوانات خاصة وهو حقيقة ومن أن يراد ما يأكل الآدمى خاصة بذلك التجوز المذكور أو الاستعارة وحكمتها تشبيه منكرى البعث بالبهائم التى لا يهمها إِلا الأَكل . ﴿ وَالْجِبَالَ أرْسَاهَا ﴾ أثبتها والنصب على الاشتغال أو اذكروا أو تذكروا أو تدبروا . ﴿ مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ﴾ النصب على العليل ومتاعاً بمعنى تمتيعا والناصب محذوف أى فعلنا ذلك تمتيعاً لكم ولو نصب بأَرسى أو بأَخرج أو بغير ذلك وهما أقرب لبقى غير ذلك بلا تعليل فنحتاج إِلى التقدير أو نقول تعليل لإِخراج الماء والمرعى وفيه كفاية وتعليل غيره معلوم وفى إِرساء الجبال تمتيع إِذ لو تركها تميد لم يستقم قرار الحيوان والإِنسان عليها وِإلا ظهر تعليل لإِخراج الماء والمرعى ولا يعارض بالفصل ولا سيما إِن جعلنا الواو للحال أى وقد أرسينا الجبال والخطاب لمنكرى البعث يعظهم بما نعته منه تعالى عليهم وحجة على البعث . ﴿ فَإِذَا جَاءَتِ ﴾ الفاء للترتيب على ما قبل . ﴿ الطَّامَّةُ ﴾ الداهية العظمى من طم على الشئ وطمه غلبه واستولى عليه . ﴿ الْكُبْرَى ﴾ تأكيد فى المعنى لأَن الأَكبرية من معنى الطامة وليس تفسيره بكونها غالبة على الخلائق لا يقدرون على دفعها مخرجاً لها عن الأَعظمية فيكون وصفها بالكبرى مخصصاً كما قيل وقيل كونها طامة أكبر من كل طامة إِنما هو باعتبار ما عرفوه من الدواهى وكونها أكبر هو على الإِطلاق ويؤخذ من لفظ الكبرى فيكون مخصصاً أو جرد عن بعض معناه فيكون معناه الكبيرة فيوصف باسم التفضيل بعد وهو الكبرى تأنيث الأَكبر فهو مخصص ولا يخفى أنها يوم القيامة وهو معدود فى أسمائه يوم القيامة وهو أعظم الدواهى لما فيه وقيل النفخة الأُولى وهو رواية عن ابن عباس والحسن وأخرج ابن أبى شيبة أنها الساعة التى يساق فيها أهل الجنة للجنة وأهل النار للنار وعن مجاهد أنها الساعة التى يساق فيها أهل النار للنار .

﴿ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَأنُ مَا سَعَى ﴾ يوم بدل من إِذا بدل كل على اعتبار أن وقت المجئ ووقت التذكر مراد به وقت واحد لا مختلف وإِن أُريد يتذكر وقت التذكر الذى هو بعض من يوم القيامة فبدل بعض وظهور المعنى مغن عن الرابط أو بدل من الطامة مبنى فى محل رفع بنى لإِضافته للجملة ولو كانت فعلية فعلها معرب ولا نحتاج إِلى تفسير الطامة بالمذكر والبروز كما قيل بالاحتياج لأَن التذكر والبروز غير زمان ويوم يتذكر زمان ويجوز تعليقه بجاءت على أن الطامة دخول النار أو الجنة على ما مر والتذكر يتصور بالنسيان فالانسان ينسى ما عمل لكثرته ولعدم الاعتناء ولطول العهد وشدة الهول قال الله تعالى أحصاه الله ونسوه فإِذا رآه فى صحيفته تذكره أو يحضره الله تعالى بقدرته فى قلبه زيادة على النظر فى صحيفته والمراد الخير والشر وما اسم أى ما سعاه أو مصدرية أى سعيه ولا يجوز أن يقدر يوم يتذكر الإِنسان فيه سعيه لأَنه لا يرجع الضمير إِلى الظرف فى الجملة التى أُضيف إِليها الظرف . ﴿ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى ﴾ عطف على جاءت وقيل على يتذكر وبرزت أظهرت إِظهاراً بيناً لكل ذى بصر وخصه بعض بالكافر وهو ضعيف . ﴿ فَأَمَّا مَن طَغَى ﴾ الخ جواب إِذا كقولك إِذا جاء القوم فمن أحسن منهم فأكرمه ومن أساء فعاقبه وإِذا جاء زيد فإِن أذعن فأَكرمه وإِلا فأَهنه وغير ذلك مما فيه جواب للشرط شرط آخر وجوابه ولا إِشكال فى ذلك وقيل جواب إِذا محذوف أى وقع مالا يضبطه كلام بتفصيل وأشار إِليه بإِجماله بقوله فأَما من طغى وقيل تقديره ظهرت الأَعمال بالصحف ولا حاجة إِلى تقديره انقسموا قسمين فأَما من طغى لأَن قوله فأَما من طغى إِلخ . يغنى عنه ومعنى طغى تمرد وجاوز الحد . ﴿ وَآثَرَ ﴾ اختار ﴿ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ القريبة الزوال أو الخسيسة فاطمأَن إِليها كأَ ، ها حسنة تدوم فلم يستعد لحياة الدائمة الحسنة بالطاعة وترك المعصية . ﴿ فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِىَ ﴾ لا غيرها فهذا حصر . ﴿ الْمَأْوَى ﴾ مأَواه أو هى المأَوى له حذف الرابط أو ناب عنه ال للفاصلة .

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ﴾ المقام للإِنسان لا لله تعالى أى خاف قيامه عند الله للحساب وهو مصدر أو مكان أو زمان أومقام لله تعالى بمعنى شأَنه تعالى مستعار من إِسم المكان أو مكان مقحم للتفخيم ومرجع هذا إِلى الذى قبله . ﴿ وَنَهَى النَّفْسَ ﴾ نفسه أو النفس له وال فى الأَول عوض وفى الثانى للعهد وهكذا قل فى المأوى وكذا فى قوله . ﴿ عَنِ الْهَوَى ﴾ وما أشبه ذلك زجرها فلم يغلبها الهوى والهوى ما تهواه أى تحبه وتميل إِليه لزهوته وزينته علما منه بأَن السم فى الدسم فإِذا دعته إِلى المعصية تذكر الحساب عند الله تعالى فيتركها وسمى لأَنه يهوى بصاحبه إِلى النار فهو يؤدى فىلدنيا إِلى كل واهية وفى الآخرة إِلى الهاوية ويطلق الهوى على الميل إِلى مباح وإِلى طاعة أيضا فإِن أصله مطلق الميل . ﴿ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى ﴾ مأواه أو المأوى له والآيتان على العموم ولو خص سبب النزول قيل عن ابن عباس نزل فأَما من طغى فى أبى جهل وقيل فى النضر وابنه الحارث ونزل وأما من خاف فى مصعب ابن عمير رضى الله عنه وقيل هذه الآية فيه وأما من طغى فى أخيه أبى عزيز بن عمير وفى مصعب بن عمير رضى الله عنه -رسول الله صلى الله عليه وسلم - يوم أحد يوم تفرق الناس عنه حتى نفذت السهام فى بطنه فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متشحطا فى دمه قال أحتسبك عند الله تعالى وقال لقد رأيته وعليه بردان ما تعرف قيمتها وأن شراك نعليه من ذهب وأسر أخوه أبو عزيز ولم يشد وثاقه إِكراماً لمصعب فقال ما هو لى بأَخ شدوا أسيركم فإِن أُمه أكثر أهل البطحاء حلياً ومالاً ، وروى أن مصعباً قتل أخاه المذكور . ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَن السَّاعَةِ ﴾ سؤال إِنكار وتعجيزز ﴿ أيَّانَ ﴾ اسم استفهام بمعنى متى مقدم . ﴿ مُرْسَاهَا ﴾ مبتدا مصدر ميمى أى إِرساءها أى إِثباتها يرسيها هو الله عز وجل كما قال والجبال أرساها ومن الثلاثى الجبال الرواسى أى الثوابت والجملة مفعول به ليسأل علق هو عنها بالاستفهام ويجوز أن يكون أيان ظرف مكان مجاماً ومرساها اسم مكان مكازاً أى أين موضع انتهائها بأَن ينزل يوم القيامة كشخص سائر لا يوصل إِليه ما لم يستقر فى موضع . ﴿ فِيمَ أنتَ مِن ذِكْرَاهَا ﴾ يا محمد بالتعيين والتفصيل إِنما لك إِثباتها والإِخبار بقربها وإِمارتها لست تعلمها لا يعلمها إِلا الله تعالى يسأَلونك كأَنك حفى عنها أى لا شئ لك من ذكرها لهم لأَنك لا تعلمها متى هى والاستفهام إِنكار لليقاة سؤالهم إِياه عنها وفيم خبر وأنت مبتدأ ومن متعلق بمتعلق فى فيما قيل ويقدر مضاف أى من ذكرى وقتها ولا يصح ذلك إِذ لا معنى لذلك التعليق ولعلها تعلق بمحذوف نعت لاسم الاستفهام كما تقول أى راكب جاءك برفع راكب نعتا لأَى وتنوين أى وتكون لبيان واسم الاستفهام بمعنى شئ أى فى أى شئ هو ذكراها أنت أو فيم خبر لمحذوف أى فيم سؤالهم وأنت من ذكراها مبتدأ وخبر أى أنت من علاماتها لأَنك آخر الأَنبياء ويقال كان يكثر ذكرها ويسأَل عنها حتى نزلت الآية على صورة التعجب من كثرة ذكرها وكان يكثر ذكرها للحرص على جوابهم إِذا سأَلوه عنها ويجوز أن يكون فيم أنت من ذكراها بدلاً من قوله أيان مرساها أى يسأَلونك فى أى مرتبة أنت من علمها .

﴿ إِلَى رَبِّكَ ﴾ لا إِلى غيره . ﴿ مُنْتَهَاهَا ﴾ انتهاء علمها بالتوقيت والتفصيل ولا علم لأَحد إِلا بأَمارة وهذا معنى صحيح على التفسيرين فى قوله تعالى فيم أنت من ذكراها ولا يختص بالثانى كما قيل . ﴿ إِنَّمَا أنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا ﴾ يؤثر إِنذارك فيمن يخشاها بإِثباتها وذكر أمارتها وقربها وقد قال الله عز وجل اقتربت الساعة وانشق القمر وقال - صلى الله عليه وسلم - « بعثت أنا والساعة كهاتين » والحصر إِضافى حصر موصوف فى صفة وصح مع أنه ينذر بها المؤمن والكافر لأَن الإِنذار هنا بمعنى تأثير الإِنذار كقوله تعالى إِنما تنذر من اتبع الذكر وخشى الرحمن بالغيب ومعنى كون الحصر إِضافياً أ ، ه باعتبار أنه لا شئ له فى بيان وقتها أى لك الإِنذار بها لا تعيينها . ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا ﴾ يشاهدونها متعلق بمحذوف حال من الهاء وصح الحال الزمانى من اسم الجنة لأَنه أفاد هنا كما قال الأَندلسى فى الخبر وإِن يمد فأَخبر وصح مما هو مبتدأ فى الأَصل لأَن فى كأَن حدثاً قوياً وهو التشبيه البليغ كأَنه قيل أشبههم حال كونهم فى يوم يرونها بمن لم يلبث إِلا ساعة . ﴿ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أوْ ضُحَاهَا ﴾ أى لم يلبثوا بعد الإِنذار بها أو بعد الوعيد إِلا قليلاً وأضاف ضحى لضمير العشية لأَنهما يجمعهما يوم واحد وكان - صلى الله عليه وسلم - يكثر السؤال عن الساعة خوفاً منها وحرصا على جواب قومه المكثرين للسؤال عنها تعنتاً حتى نزل فيم أنت من ذكراها إِلى ربك منتهاها فانتهى عن السؤال وقد قيل قوله عز وجل فيم أنت من ذكراها تعجيب من كثرة سؤاله - صلى الله عليه وسلم - عنها والله أعلم وهو المستعان وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلمز

افتحه في القارئ · صفحة ٥٬٧٣٥