سورة الأنفال · الآية ٢ من ٧٥

‹ السورة السابقة
إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِینَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِیَتۡ عَلَیۡهِمۡ ءَایَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِیمَٰنࣰا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ یَتَوَكَّلُونَ٢
الرسم الإملائيّ

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ

الجزء ٩الربع ٧١ صفحة ١٧٧

تفسيرها

[سورة الأنفال — آية 2]

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ النفل : الغنيمة ، لأنها من فضل الله وعطائه ، والأنفال : الغنائم ، سئل عن قسمها ، فقال : إن حكمها مختص بالله ورسوله ، يأمر الله بقسمتها رسوله على ما تقضيه حكمته ، ﴿ فَاتَّقُواْ اللّهَ ﴾ في الاختلاف والتخاصم ، وكونوا متآخين في الله ، ﴿ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ ﴾ أحوال بينكم ، يعني : ما بينكم من الأحوال ، حتى تكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق . وقال الزجاج : معنى (( ذات بينكم )) حقيقة وصلكم ، والبين الوصل ، أي : فاتقوا الله ، وكونوا مجتمعين على أمر الله ورسوله به ، ﴿ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ فإن الإيمان يقتضي ذلك ، لأن من اختل منه الإيمان الحقيقي لا تتأتى منه النيات الخالصة ، ولا الأعمال الصالحة ، ولا الأقوال الصادقة . يقول : ليس المؤمن الذي (لعله) كذب الله ورسوله ، إنما المؤمن الصادق ، وعلامة صدقه كما قال :

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ﴾ صفة كاملي الإيمان ، ﴿ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ فزعت لذكره استعظاما له ، وإذا خوف بالله انقاد خوفا من عقابه ، ورجاءً لثوابه ، ﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ ﴾ القرآن وتأويله ، ﴿ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً ﴾ ازدادوا بها يقينا واطمئنا نية ، لأن تظاهر الأدلة أقوى للمدلول عليه ، وأثبت لقدمه ، أو زادتهم إيمانا بتلك الآيات ، لأنهم لم يقفوا عليها بعد ، ولمعرفتهم لأحكامها زيادة إيمان مع إيمانهم . ويروى عن عمر بن حبيب أنه قال فكانت له صحة [كذا] : (( إن للإيمان زيادة ونقصان )) ، وقيل : فما زيادته ؟ قال : (( إذا كرنا الله وحمدناه ، فذلك زيادته ، وإذا سهونا وغفلنا فذلك نقصانه )) . وقيل : كتب عمر بن عبدا لعزيز إلى عدي بن عدي : (( إن الإيمان فرائض وشرائع ، وحدود وسنن ، فمن استكملها استكمل الإيمان )) ، ﴿ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ يعتمدون ؛ ولا يفوضون أمورهم إلى غير ربهم ، لا يخشون ولا يرجون إلا ربهم .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٦٢

[سورة الأنفال — آية 2]

قوله : ﴿ إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ أي : رقّت قلوبهم مخافة عقابه . وقال مجاهد : ﴿ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ ، أي : فَرِقت قلوبهم .

قال : ﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً ﴾ أي : تصديقاً . أي كلما نزل من القرآن شيء صدّقوا به . كقوله : ﴿ وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً ﴾ هذا قول المنافقين . قال الله : ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ [ التوبة : 124 ] .

قوله : ﴿ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ ﴾ أي : يقيمونها على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها . ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ أي الزكاة المفروضة على ما سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد فسّرنا ذلك في سورة البقرة وسورة الأنعام .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٦٢

[سورة الأنفال — آية 2]

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ﴾ كاملو الإِيمان ، مبتدأ خبره قوله ﴿ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ ﴾ ذكر وعيده ﴿ وَجِلتْ ﴾ خافت ﴿ قُلُوبُهُمْ ﴾ ذلك الوعيد ، أَو إِذا ذكر الله بالوعد أَو بالوعيد أَو غير ذلك خافته قلوبهم خوف إِجلال ، فيفزعون إِلى ذكره ، وإِذا هموا بمعصية فقيل لهم : اتقوا الله خافوا وتركوها ، ووجل القلب لا ينافى الاطمئنان فى قوله تعالى : ﴿ أَلا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ فإِنها تطمئن بتحقيق التوحيد . وتحقيقه لا ينافى الخوف من الله تعالى ، والدعاءُ مجاب عند اقشعرار القلب خوفا كما قالت أم الدرداءِ رضى الله عنها ﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ ﴾ ما نزل من القرآن ﴿ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ﴾ تصديقا بالقلب وعملا بالقول والجوارح ، فإِن الإِيمان بتلك المعانى يزداد قوة و رسوخا بزيادة الأَدلة وتداعى بعض لبعض والفكر . وينقص بإِهمال الفكر والعمل على عكس التداعى ، فكلما نزلت آية تقووا ، والكافر بها يزداد كفرا بنزول أُخرى ، كما أَنه إِذا انكشف الغطاءُ صدق من كذب وازداد يقينا من صدق إِلا قليلا كما قيل عن الإِمام على : لو انكشف الغطاءُ لم أَزدد إِلا يقينا ، فهذا من الإِمام على ظاهر فى أَن الإِيمان يزداد وينقص ، والمعنى بزيادة الأَدلة والعمل بمقتضاه وضعفه بعدم التفكر والعمل بغير مقتضاه ، كما يتفاوت بطلوع الشمس ، وبحدوث العالم ، وذلك تحقيق لا خلاف لفظى ، كما زعم بعض أَن ترك العمل هو نقصه ، وقول البخارى : لقيت أَكثر من أَلف عالم من الأَمصار يقولون الإِيمان قول وعمل ، ويزيد وينقص - ليس نصا فى أَن النقص بترك العمل ، وإِنما هو إِخبار بأَنه يزيد وينقص ، وتبادر من عبارته ليس بترك الأَعمال ، وحديث أَنه صلى الله عليه وسلم قال لوفد ثقيف : « الإِيمان مكمل فى القلوب زيادته ونقصه كفر » لا يصح لضعف سنده جدا ، ولو صح لكان المعنى الزيادة فيه من غيره بما ليس شرعا ، والنقص منه باختلاله كفر ، وحديث البخارى حجة على من يدعى أَن القول قد يكفى عن العمل ، أَما من تاب أَو أَسلم ومات قبل العمل فلا إِشكال فى قبوله ﴿ وَعَلَى رَبِّهِمْ ﴾ لا على غيره ﴿ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ ذكر للموصول ثلاث صلات ، وجل القلوب عند ذكر الله عز وجل ، وزيادة الإِيمان إِذا تليت آياته ، والتوكل عليه . وذكر موصولا آخر بصلتين فى قوله ﴿ الَّذِينَ ﴾ نعت للمؤمنين ﴿ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ ﴾ الواجبة والنافلة ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ فى الطاعة واجبا ونفلا . قرن الله تعالى الإِيمان وعمل الصالحات كما فى الآية قبل هذه ، وقوله : ﴿ آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ والزكاة والصلاة ، والصلاة والإِنفاق ، فى هذه الآية ، وقوله تعالى ﴿ أَقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ وطاعة الرسول كما فى قوله عز وجل « وأَطيعوا الله وأَطيعوا الرسول » وطاعة الله والإِحسان إِلى الوالدين فى قوله تعالى

﴿ وقضى ربك أَلا تعبدوا إِلا إِياه وبالوالدين إِحسانا ﴾ وأَخبر عن هؤلاءِ الصفات بقوله :

﴿ أُولَئِك ﴾ الموصوفون بتلك الصفات ﴿ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا ﴾ مصدر مؤكد لغيره ، كقولك : هو ولى الله حقا ، أَى حق ذلك حقا . . أَو نعت مصدر أَى إِيمانا حقا ، ﴿ لَهُمْ دَرَجَاتٌ ﴾ كثيرة لا قليلة ، عظام ، حسيات ومعقولات ، من علو الشأْن ، قال صلى الله عليه وسلم : « فى الجنة مائة درجة لو أَن العالمين اجتمعوا فى إِحداهن لوسعتهم » رواه أَبو هريرة ، وعن أَنس « سبعون درجة ما بين كل درجتين حضر الفرس المضمر سبعين سنة » ﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ فى اللوح المحفوظ ، وفى علمه ﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ بسبب الصلاة ﴿ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ فى الجنة بسبب الإِنفاق وكرمه ، بعظمه وكثرة أَفراده ودوامه ، ويجوز أَن يكون الذين مبتدأ خبره أَولئك هم المؤمنون ، وجملة ﴿ لهم درجات ﴾ خبر ثان .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٦٢