سورة الأنفال · الآية ١٥ من ٧٥

‹ السورة السابقة
یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِذَا لَقِیتُمُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ زَحۡفࣰا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ١٥
الرسم الإملائيّ

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ

الجزء ٩الربع ٧١ صفحة ١٧٨

تفسيرها

[سورة الأنفال — آية 15]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً ﴾ الزحف : الجيش الدهم الذي يرى لكثرته كأنه يزحف ، أي : يدب دبيبا ، من زحف الصبي إذا دب على أسته قليلا قليلا . ﴿ فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ ﴾ فلا تنصرفوا عنهم منهزمين إذا لقيتموهم للقتال .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٧٥

[سورة الأنفال — آية 15]

قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ ﴾ أي : منهزمين ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ ﴾ أي : ينهزم ﴿ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ﴾ أي : يوم بدر ﴿ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ ﴾ أي يتحرّف للقتال ، أن يدع موقف مكان لمكان . ﴿ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ ﴾ أي ينحاز إلى جماعة ﴿ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ الله ﴾ أي استوجب غضباً من الله ﴿ ومأواه جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ أي بئس مصير من صار إلى جهنم .

قال الحسن : لم يكن الفرار من الزحف من الكبائر إلا يوم بدر ، لأن تلك العصابة من المسلمين لو أصيبت لذهب الإِسلام . فكان الله قد افترض في هذه الآية : ﴿ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [ الأنفال : 65 ] فأمر الله المسلمين أن يصبروا لعشرة أمثالهم إذا لقوهم . ثم أنزل الله بعد ذلك التخفيف فقال : ﴿ « الآنَ خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ الله ﴾ [ الأنفال : 66 ] . فلم يقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اظهر الله الإِسلام وصار الجهاد تطوّعاً .

فإن جاء المسلمين عدوٌّ لا طاقة لهم به تحيّزوا إلى البصرة ، أو قال : إلى بصرتهم . وإن جاءهم ما يغلبهم تحيّزوا إلى الكوفة ، فإن جاءهم ما يغلبهم تحيّزوا إلى الشام ، وإن جاءهم ما يغلبهم تحيّزوا إلى المدنية ، فإن جاءهم ما يغلبهم فليس ثَمَّ تحيّز ، وصار الجهاد فريضة .

ذكروا عن الحسن أنه قال : إن عمر بن الخطاب لما بلغه قتل أبي عبيدة بن الجراح وأصحابه بالقادسية قال : يرحم الله أبا عبيدة؛ لو انحاز إلينا لكنا فئته .

ذكروا عن الحسن قال : لو أن أهل سمرقند انحازوا إلينا ونسأل الله العافية من ذلك لكنا فئتهم .

ذكروا أن أبا بكر وعمر كانا يقولان للجيوش : وإن غلبكم أمر فانحازوا إلينا ، فإنا فئتكم .

ذكر بضعهم قال : أوجب الله لمن فرّ يوم بدر النار ، ثم كانت أُحُد بعدها فأنزل الله : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ إِنَّ الله غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾

[ آل عمران : 155 ] . ثم كانت حنين بعدها بسبع سنين فأنزل الله : ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ . ثُمَّ أَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ ثُمَّ يَتُوبُ الله مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاءُ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [ التوبة : 25-27 ] .

قال بعضهم : يوم الدجّال كيوم بدر . ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « أفضل الشهداء شهداء بدر ، وشهداء الأعماق ، والأعماق أنطاكية »

ذكروا عن عبد الله بن عون أنه قال : كتبت إلى نافع أسأله عن الفرار من الزحف ، فقال : إنما كان يوم بدر .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٧٥

[سورة الأنفال — آية 15]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتم الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا ﴾ حال من الذين ، أَى ذوى زحف ، أَو زاحفين شبيهين بمن يزحف زحفاً ، أَى يمشى على مقعدته كالصبى ، أَو يمشى على مهل لعيائه لأَنهم كثروا فيكونون فى رأى العين كالزاحف ولو أَسرعوا فى مشيهم ، فى الآية زجرهم عن الهرب للكفار ولو كثروا ، أَو حال من التاء ، أَو منها ومن الذين ، وعدد المسلمين ولو قل لكنه كثر بالنسبة إِلى ما دونه ، بل هو كثير باعتبار مدد الملائكة ﴿ فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ ﴾ لا تجعلوهم بفراركم تالين أَدباركم كالقفا والظهر والستة ، فضلا عن أَن تفروا ، أَى لا تنهزموا ولا تفروا ، واصبروا حتى يأتى أَمر الله ، ويلزم من الانهزام والفرار تولية الأَدبار والآية مقيدة بما إِذا لم يكن الواحد بأكثر من عشرة من المشركين ، ثم كانت مقيدة بما إِذا لم يكن الواحد ثلاثة أَو أَكثر لا كما ادعى بعض أَنها عامة نسخت بما فوق ذلك فى قوله تعالى ﴿ إِن يكن منكم عشرون ﴾ إِلى ﴿ والله مع الصابرين ﴾ والآية تلويح بما فى يوم حنين من انهزام المسلمين وهم أثنا عشر أَلفاً .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٧٥