سورة الأنفال · الآية ٢٥ من ٧٥

‹ السورة السابقة
وَٱتَّقُوا۟ فِتۡنَةࣰ لَّا تُصِیبَنَّ ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟ مِنكُمۡ خَاۤصَّةࣰۖ وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِیدُ ٱلۡعِقَابِ٢٥
الرسم الإملائيّ

وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ

الجزء ٩الربع ٧٢ صفحة ١٧٩

تفسيرها

[سورة الأنفال — آية 25]

﴿ وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً ﴾ واتقوا فتنة ، أي : كعصية ظهرت بين أظهركم من فاعلها ، اتقوها بالنهي لفاعلها ، وأمروه بضدها وهو المعروف ، فإنكم إن لم تفعلوا أصابتكم عاقبة الفتنة الذين أتوها أنتم وإياهم ، فهم استحقوا العقوبة بفعلهم لها ، وأنتم بترككم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . ﴿ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ لمن ارتكب المعاصي ولمن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٨٥

[سورة الأنفال — آية 25]

قوله : ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ﴾ [ يعني أنها إذا نزلت تعم الظالم وغيره ] . قال بعضهم : يعني [ يوم ] الجمل . وقال الحسن : يعني أَصحاب النبي عليه السلام .

ذكروا أن الزبير بن العوام كان يقول : لقد تلوتُ هذه الآية زماناً ما أحدث نفسي أن أكون من أهلها ، فإذا نحن أصحاب النبي المعنيّون بها : ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ﴾ . ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ الله شَدِيدُ العِقَابِ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٨٥

[سورة الأنفال — آية 25]

﴿ وَاتَّقُوا ﴾ أَيها المؤمنون ﴿ فِتْنَةً ﴾ صرفا عن الدين لأَنفسكم بالكبائر كالبدع وإِقرار المشرك فيكم والمداهنة وافتراق الكلمة وعدم النهى ، أَو اتقوا عذابا دنيويا كالقحط ، اتقوا موجبه من الذنوب فعاد إِلى التفسير الأَول ﴿ لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ ﴾ فعلوا الكبائر ، لا نافية وأَكد الفعل بالنون بعدها على القلة ، والجملة نعت فتنة ، أَو جواب لإِنْ محذوفة . أَى إِن لا تتقوها ، أَو إِن أَصابتكم لا تصيبن ، وأَداة الشرط والشرط والجواب نعت ، أَو جواب قسم ، أَى والله لا تصيبن ، وذكر النون هنا قولا بجواز توكيد المضارع المقرون بلا النافية إِجراء لها مجرى النهى ، أَو لا ناهية مستأنفة أَو مقولة لنعت محذوف ، أَى فتنة مقولا فيها لا تصيبن ، والنهى فى اللفظ للفتنة وفى المعنى للمكلفين ، أَى لا تظلموا أَنفسكم بالذنوب فتصيبكم الفتنة وحدكم خاصة إِذ نهاكم غيركم كما هو وجه فى قوله تعالى : ﴿ لا يحطمنكم سليمان ﴾ إلخ . . وعلى النفى يكون المعنى لا تصيبكم وحدكم ، بل تعم من لم ينه عنها فتكون عليكم تباعتها ، ووجه تأكيد النفى مع أَنه على طريق الترديد لكونه فى جواب أَن أَنه لا ترديد بحسب وقوع الشرط بمعنى أَنه إِن وقع الشرط تحقق الانتفاء وتأَكد ، وقيل أَنه بمعنى النهى ، وعلى كل حال المراد لا يصيبن أَثرها أَو عقابها أَو الفتنة نفس العقاب ، والخطاب للمؤمنين . ومن اتقاء الفتنة إِنكار موجبها من الذنوب ، قال صلى الله عليه وسلم : « إِذا عملت الخطيئة فى الأَرض كان من شهدها فأَنكرها كمن غاب عنها ، ومن غاب عنها فرضيها كمن شهدها » ، ولفظ ابن الأَثير عنه صلى الله عليه وسلم : « إِن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أَن ينكروه فلم ينكروه ، فإِذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة » قال أَبو داود عن جرير بن عبد الله البجلى : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ما من رجل يكون فى قوم يعمل فيهم بالمعاصى يقدرون على أَن يغيروا عليه ولم يغيروا إِلا أَصابهم الله بعقاب قبل أَن يموتوا » ، وعن ابن عباس : أَمر الله عز وجل المؤمنين أَن لا يقروا المنكر بين أَظهرهم فيعمهم الله تعالى بعذاب يصيب الظالم وغيره ، قال أَبو بكر رضى الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إِن الناس إِذا رأَوا الظالم ولم يأخذوا على يده أَوشك أَن يعمهم الله بعقاب » ، رواه الترمذى وأَبو داود . ولما وقعت بنو إِسرائيل فى المعاصى وجالس بعض بعضا وواكلوهم وشاربوهم ضرب قلوب بعض ببعض ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ، رواه ابن مسعود ، وعن الزبير : ما ندرى أَنا معشر أَهل بدر مرادون بالآية لحدث يوم الجمل حتى كان ، وكذا السدى ، وفى البخارى ومسلم عن أَبى هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

« تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشى ، والماشى فيها خير من الساعى ، ومن تشرف لها تتشرفه ، ومن وجد ملجأْ أَو معاذا فليعُذْ به » ، وذلك أَن الرضى وترك النهى وزر ، فلا ينافى قوله تعالى : ﴿ ولا تزر وازرة وزر أُخرى ﴾ ومن لم يتأَلم بالمنكر كما يتأَلم بماله أَو ولده إِذا أُصيب فهو راض يعمه العذاب ﴿ خَاصَّةً ﴾ إِصابة خاصة ، أَو حال من المستتر فى تصيب ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ على الظالمين ومن أَقرهم على الظلم .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٨٥