تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الأنفال

الجزء الأنفال · صفحة ٠
[سورة الأنفال — آية 25]

﴿ وَاتَّقُوا ﴾ أَيها المؤمنون ﴿ فِتْنَةً ﴾ صرفا عن الدين لأَنفسكم بالكبائر كالبدع وإِقرار المشرك فيكم والمداهنة وافتراق الكلمة وعدم النهى ، أَو اتقوا عذابا دنيويا كالقحط ، اتقوا موجبه من الذنوب فعاد إِلى التفسير الأَول ﴿ لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ ﴾ فعلوا الكبائر ، لا نافية وأَكد الفعل بالنون بعدها على القلة ، والجملة نعت فتنة ، أَو جواب لإِنْ محذوفة . أَى إِن لا تتقوها ، أَو إِن أَصابتكم لا تصيبن ، وأَداة الشرط والشرط والجواب نعت ، أَو جواب قسم ، أَى والله لا تصيبن ، وذكر النون هنا قولا بجواز توكيد المضارع المقرون بلا النافية إِجراء لها مجرى النهى ، أَو لا ناهية مستأنفة أَو مقولة لنعت محذوف ، أَى فتنة مقولا فيها لا تصيبن ، والنهى فى اللفظ للفتنة وفى المعنى للمكلفين ، أَى لا تظلموا أَنفسكم بالذنوب فتصيبكم الفتنة وحدكم خاصة إِذ نهاكم غيركم كما هو وجه فى قوله تعالى : ﴿ لا يحطمنكم سليمان ﴾ إلخ . . وعلى النفى يكون المعنى لا تصيبكم وحدكم ، بل تعم من لم ينه عنها فتكون عليكم تباعتها ، ووجه تأكيد النفى مع أَنه على طريق الترديد لكونه فى جواب أَن أَنه لا ترديد بحسب وقوع الشرط بمعنى أَنه إِن وقع الشرط تحقق الانتفاء وتأَكد ، وقيل أَنه بمعنى النهى ، وعلى كل حال المراد لا يصيبن أَثرها أَو عقابها أَو الفتنة نفس العقاب ، والخطاب للمؤمنين . ومن اتقاء الفتنة إِنكار موجبها من الذنوب ، قال صلى الله عليه وسلم : « إِذا عملت الخطيئة فى الأَرض كان من شهدها فأَنكرها كمن غاب عنها ، ومن غاب عنها فرضيها كمن شهدها » ، ولفظ ابن الأَثير عنه صلى الله عليه وسلم : « إِن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أَن ينكروه فلم ينكروه ، فإِذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة » قال أَبو داود عن جرير بن عبد الله البجلى : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ما من رجل يكون فى قوم يعمل فيهم بالمعاصى يقدرون على أَن يغيروا عليه ولم يغيروا إِلا أَصابهم الله بعقاب قبل أَن يموتوا » ، وعن ابن عباس : أَمر الله عز وجل المؤمنين أَن لا يقروا المنكر بين أَظهرهم فيعمهم الله تعالى بعذاب يصيب الظالم وغيره ، قال أَبو بكر رضى الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إِن الناس إِذا رأَوا الظالم ولم يأخذوا على يده أَوشك أَن يعمهم الله بعقاب » ، رواه الترمذى وأَبو داود . ولما وقعت بنو إِسرائيل فى المعاصى وجالس بعض بعضا وواكلوهم وشاربوهم ضرب قلوب بعض ببعض ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ، رواه ابن مسعود ، وعن الزبير : ما ندرى أَنا معشر أَهل بدر مرادون بالآية لحدث يوم الجمل حتى كان ، وكذا السدى ، وفى البخارى ومسلم عن أَبى هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

« تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشى ، والماشى فيها خير من الساعى ، ومن تشرف لها تتشرفه ، ومن وجد ملجأْ أَو معاذا فليعُذْ به » ، وذلك أَن الرضى وترك النهى وزر ، فلا ينافى قوله تعالى : ﴿ ولا تزر وازرة وزر أُخرى ﴾ ومن لم يتأَلم بالمنكر كما يتأَلم بماله أَو ولده إِذا أُصيب فهو راض يعمه العذاب ﴿ خَاصَّةً ﴾ إِصابة خاصة ، أَو حال من المستتر فى تصيب ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ على الظالمين ومن أَقرهم على الظلم .

١٬١٨٥ / ٦٬٢٣٦