فَسِیحُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرࣲ وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّكُمۡ غَیۡرُ مُعۡجِزِی ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخۡزِی ٱلۡكَٰفِرِینَ٢
الرسم الإملائيّ
فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ
الجزء ١٠الربع ٧٥ صفحة ١٨٧
تفسيرها
﴿ فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ فسيروا في الأرض كيف شئتم ، والسبح : السير على مهل . روي أنهم عاهدوا المشركين من أهل مكة وغيرهم من العرب فنكثوا ، إلا ناسا منهم ، فنبذ العهد إلى الناكثين ، وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين شاءوا ، مقبلين ومدبرين لا يتعرض لهم ، وهي الأشهر الحرم في قوله : ( فإذا تنسلخ الأشهر الحرم ) وذلك لصيانة الأشهر الحرم من القتل والقتال فيها ﴿ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ ﴾ لا تفوتونه وإن أمهلكم ، قيل : هذا تأجيل من الله للمشركين ، فمن كان مدة عهده أقل من أربعة أشهر رفعه إلى أربعة أشهر ، ومن كانت مدته أكثر من أربعة أشهر حطه إلى أربعة أشهر ؛ ثم هو حرب بعد ذلك لله ورسوله ، يقتل حيث أدرك ويؤسر إلا أن يتوب ، وابتداء هذا الأجل يوم الحج الأكبر ، ومن (لعله) لم يكن له عهده ؛ فإنما أجله انسلاخ أشهر الحرم ﴿ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ﴾ مد لهم في الدنيا بالقتل وغيره ، وفي الآخرة بالعذاب .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٣٧
قوله : ﴿ بَرَاءَةٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ ﴾ يعني بالبراءة براءة من العهد الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين مشركي العرب . يقول للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه : ﴿ بَرَاءَةٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ، ثم أقبل على أهل العهد من المشركين فقال :
﴿ فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ وكان ذلك بقية عهدهم من يوم النحر إلى عشر ليالٍ يمضين من ربيع الآخر ، وهو العام الذي حجّ فيه أبو بكر الصديق ونادى فيه عليّ بالآذان .
وفي تفسير الحسن أن النبي عليه السلام أمر أبا بكر أن يؤذن الناسَ بالبراءة . فلما مضى دعاه فقال : إنه لا يبلغ عني في هذا الأمر إلا من هو من أهل بيتي . وقال بعضهم : إلا من هو مني . فأمر بذلك علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه .
ذكر الأعمش عن بعض أشياخه أن النبي بعث ببراءة مع أبي بكر ، ثم أتبعه علياً . فأمره أن ينادي بها . ورجع أبو بكر إلى النبي يبكي ، فقال : يا رسول الله ، هل أنزل في شيء؟ قال : لا . فذكر ما لا أحفظه وحج أبو بكر بالناس ذلك العام .
ذكروا أن مجاهداً قال : ﴿ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ، يعني خزاعة ومدلج ومن كان له عهد غيرهم .
أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك حين فرغ منها ، فأراد أن يحج . ثم إِنه قال : « إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة ، ولا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك » فأرسل أبا بكر وعلياً فطافا بالناس بذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون فيها ، وبالموسم كله ، فآذنوا أصحاب العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر ، وهي الأربعة الأشهر المنسلخات المتواليات : عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر يخلون من شهر ربيع الأخر ، ثم لا عهد لهم .
ذكروا أن أبا بكر أُمِّر يومئذٍ على الحاج ، ونادى فيه علي بالأذان . وكان عام حجّ فيه المسلمون والمشركون ، فلم يحج المشركون بعده .
قوله : ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله ﴾ أي إنكم لستم بالذين تعجزون الله وتسبقونه في الأرض حتى لا يقدر عليكم . ﴿ وَأَنَّ الله مُخْزِي الكَافِرِينَ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٣٧
﴿ فَسِيحُوا فِى الأَرْضِ ﴾ قل لهم : سيحوا . والأَولى أَن يحكى مع ما بعده ببراءَة لأَن فيها معنى القول ، وأَصل السيح جريان الماءِ وانبساطه ، والأَمر بالسياحة إِباحة بإِزالة الخوف من القتل والأَسر وهو فى معنى الإِطلاق بعد الحصر لأَنهم كانوا خائفين ، وإِخافتهم كالمنع من السير والسياحة السير حيث شاءَ وأولوا ببعد عن العمران ﴿ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ تسمى أَشهر المدة فى أَمن وبعدها الحرب والقتل والأَسر والسبى إِلا إِن أَسلمتم ، والمدة لأَن يتفكروا ويراعوا الأَصلح إِذا لم يبق إِلا التشديد ولئلا ينسبوا المسلمين إِلى الغدر . لو كانت البراءَة متصلة بالحرب بعدها ، يتوهمون الغدر قبلها بالاستعداد ، وليعلموا أَن المؤمنين غير مكترثين بهم وباستعدادهم فى الأَشهر ، نزلت براءَة فى شوال وبلغت البراءَة والنقض فى اليوم العاشر من ذى الحجة وابتداء الأَشهر منه وتمامها العاشر من ربيع الثانى ، فيكون سمى عدد الأَيام شهرا ولو لم تكن من شهر واحد ، بعث صلى الله عليه وسلم عليا أَن يؤدى ، فقيل : هلا أَمرت الصديق ، وهو أَمير الحج فى ذلك العام ، فقال : لا يؤدى عنى إِلا رجل منى ، ويروى : لا ينبغى لأَحد أَن يبلغ هذا إِلا رجل من أَهلى ، يعنى العهد ونقضه على عادة العرب لا بوحى فيهما أَن يتولاهما لرجل هو من أَهله ، وأَما غيرهما فكثيرا ما يرسل صلى الله عليه وسلم فيه من ليس من أَهله ، وقيل : نزلت فى عاشر ذى القعدة ، وبلغت فى عاشر ذى الحجة ، وابتداء الأَشهر من عاشر ذى الحجة ، سافر على إِلى مكة للتبليغ على العضباءِ ناقة له صلى الله عليه وسلم ، وليست عضباءَ ، أَى مشقوقة الأُذن ، ولكن لقبت بذلك ، ولما سمع الصديق رغاءَها وقف فقال : هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال لعلى : أَمير أَو مأمور ، فقال : مأمور ، وخطب الصديق اليوم الثامن وعلمهم المناسك . . وفيه تلويح إِلى خلافته لعظم شأن الحج ، ولا سيما فى هذه الواقعة ، وأَنه استخلفه صلى الله عليه وسلم فى صلوات آخر أَمره ، وقال على يوم النحر عند جمرة العقبة ، يا أَيها الناس ، إِنى رسول رسول الله إِليكم ، فقالوا : بماذا؟ فقرأَ أَربعين أَو ثلاثين آية من أَول السورة ، ثم قال : أمرت بأَربع : أَلا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ولا يدخل الجنة إِلا كل نفس مؤمنة ، وأَن يتم إلى كل ذى عهد عهده . وذكر الأَمر بالأَربع فى مكة وعرفة أَيضا بأَمره صلى الله عليه وسلم فى صوت عال ، ولو بلغ عنه أَجنب لربما لم يقبلوا ، ولما بلغ على قالوا : أَبلغ ابن عمك أَنا قد نبذنا العهد وراءَ ظهرنا ، وأَنه ليس بيننا وبينه إِلا طعن بالرماح وضرب بالسيوف ، فتح مكة عام ثمانية ، وكان التبليغ عام تسعة ، أَراد الحج عام تسعة ، فقيل له : إِن المشركين يطوفون عراة ، فأَمر الصديق على الحج ، وأَلحقه عليا للتبليغ .
وذكرت الفتح وسببه مبسوطا فى شرح النونية ، وفى سنة تسع عاد الحج إِلى ذى الحجة بالنسئِ ، وقال : أَلا إِن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق ا لله السموات والأرض . وعاهد يوم الحديبية قريشا على وضع الحرب عشر سنين ، ودخلت خزاعة فى عهده صلى الله عليه وسلم ، وبنو بكر فى عهد قريش ، فغدرت بنو بكر وأَعانتهم قريش بالسلاح ، فقال عمرو بن سالم الخزاعى على باب المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم مع الصحابة فى المسجد :
يا رب إِنى ناشد محمدا … حلف أَبينا وأَبيه الأَتلدا
قد كنتم ولدا وكنا ولدا … ثمت أَسلمنا ولم ننزع يدا
فانصرهداك الله نصرًا أَيدا … وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا … إِن سيم خسفا وجهه تربدا
إِن قريشا أَخلفوك الموعدا … ونقضوا ميثاقك المؤكدا
وجعلوا إِلى كداءَ رصدا … وزعموا أَن لست أَدعو أَحدا
وهم أَذل وأَقل عددا … هم بيتونا بالوتير هجدا
وقتلونا ركعا وسجدا … فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « نصرت يا عمرو بن سالم » ، وعرضت له سحابة . وقال : إِن هذه السحابة لتستهل بنصر بنى كعب ، وأَمر أَن يتجهزوا لفتح مكة . وقال : لا نصرت إِن لم أَنصرك . . ففتح مكة فى عامه عام ثمانية ، وحج فى العاشر حجة الوداع ، لما قيل له عام تسع : إِن المشركين يطوفون عراة ، فترك الحج إِلى العاشر ، ولحق علىٌّ الصديق قريبا من المدينة ، فرجع الصديق فقال : يا رسول الله بأَبى أَنت وأمى ، هل نزل فىَّ شئ ، قال صلى الله عليه وسلم : « لا . . ولكن لا ينبغى لأَحد أَن يبلغ هذا إِلا رجل من أَهلى ، أَما ترضى أَنك معى فى الغار ، وأَنك معى على الحوض » ؟ فقال : بلى . . يا رسول الله ، وقيل : لحقه على فى العرج . . - بفتح فكسر - ويدل له ﴿ فإِذا انسلخ الأَشهر الحرم ﴾ جعل شوالا من الحرم تغليبا - قرية جامعة بينها وبين المدينة ستة وسبعون ميلا ، ويبعد أَن يرجع الصديق منها ، فلعله قال : هل نزل فىَّ شئ ، وبلغ على فقال : أَمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأَنه من كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو إِلى مدته ، أَى ولو كانت أَقل من أَربعة أَشهر أَو أَكثر ، ومن لم يكن له عهد فأَجله أَربعة أَشهر ، رواه يزيد ابن تبيع عن على ، وهذا رد لقول مجاهد أَنه مان كان عهده أَقل أَو أَكثر ، أَو بلا مدة أَولا عهد له فأَربعة كمن له أَربعة ، ويناسب قوله
﴿ فأَتموا إِليهم عهدهم ﴾ والسنة أَلاَّ يجاوز المسلمون الأَربعة الأَشهر لهذه الآية ، وإِذا ضعفوا فلا يجاوزوا عشرة أَعوام لقصة الحديبية ، وأَجيب بأَن لهم عهدهم المذكور فى الآية ، وقال الكلبى : من له أَقل من الأَربعة فأَربعة ، ومن له ما فوق فله ما فوق ، وقيل : ابتداء الأَشهر من شوال وآخرها آخر المحرم ، ويدل له فإِذا انسلخ الأَشهر الحرم وجعل شوال من الحرم تغليبا ، وقيل : من عاشر ذى القعدة فآخرها عشرة ربيع الأَول ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللهِ ﴾ غير فائتيه بعذاب الدنيا بالأَسر والقتل وغيره ، ولا عذاب الآخرة ، فلا تغتروا بإِمهاله ولسياحتكم واستعدادكم ﴿ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِى الْكَافِرِينَ ﴾ مذلهم فى قلوبهم فلا يعتقدون عزة لأَنفسهم ، أَو هذه فى القتل والأَسر وما قبله فى عذاب الآخرة ، وأَعاد لفظ الجلالة ولم يضمر لتربية المهابة ، ولم يضمر للكافرين للفاصلة ، وتعليق الحكم بالكفر ، وإِن أريد بالكافرين الجنس المعهودون فالإِظهار هو مقتضى الظاهر ، ويدخل المعهودون بالأُولى .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٣٧