وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِینَةِ مَرَدُوا۟ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَیۡنِ ثُمَّ یُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِیمࣲ١٠١
الرسم الإملائيّ
وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ
الجزء ١١الربع ٨١ صفحة ٢٠٣
تفسيرها
﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُم ﴾ يعني : حول بلدتكم وهي المدينة ، ﴿ مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ ﴾ وتمهروا فيه ، ﴿ لاَ تَعْلَمُهُمْ ﴾ أي : يخفون عليك مع فطنتك ، وصدق فراستك ، لفرط بثوقهم [كذا] في تحامي ما يشكل من أمرهم ، ﴿ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ﴾ أي : لا يعلهم إلا الله ، ولا يطلَّع على سرهم غيره ، لأنهم يبطنون الكفر من سويدات قلوبهم ، ويبرزون ظاهرا كظاهر المخلصين من المؤمنين ، ولذا قال النبي عليه السلام : (( المنافق بالمؤمن أشبه من الغراب [كذا] ، والماء من الماء )) ﴿ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٣٦
قوله : ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ ﴾ أي اجترأوا عليه ، والمتمرد الجريء على المعاصي . ﴿ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ﴾ أي لا تعرفهم أنت يا محمد . نحن نعرفهم .
وقد عرفهم الله رسوله وأعلمه بهم بعد ذلك ، وأسرّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حذيفة ابن اليمان .
ذكروا عن الحسن أنه قال : مات رجل له صحبة إلى جانب حذيفة فلم يصلِ عليه حذيفة . فأرسل إليه عمر فأغلظ له ، ويقال : يموت رجل من أصحاب النبي إلى جانبك ولا تصلي عليه . قال : يا أمير المؤمنين ، إنه من القوم . فقال له عمر : أناشدك بالله ، أنا منهم ، قال : لا ، والله لا أؤمن منها أحداً بعدك .
وقال بعضهم : قال له عمر : يموت رجل من أصحاب النبي إلى جانبك لا تسأل عليه؟ فقال له حذيفة : لو كنت مثله ما صليتُ عليك . قال : أمنافق هو يا حذيفة؟ قال : ما كنت لأخبرك بسرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال عمر : أناشدك الله ، أنا منهم . قال حذيفة : اللهم لا .
وفي هذا دليل لأهل الفراق أن عمر لم يَلُم حذيفةَ على أن لا يصلي عليه ، وهو عند عمر مسلم . وفي قول عمر : يا حذيفة أناشدك الله أنا منهم ما يدل كل ذي نُهى وحِجى أن عمر لم يكن يخاف على نفسه أنه مشرك ، بل إنه خاف أن تكون له معاصِ في الإِسلام توجب عليه النفاق ، أو يكون نبي الله قد أسرَّ إلى حذيفة شيئاً من ذلك .
وأما الشرك ، فلم يكن يخافه عمر على نفسه ، ولا يظنه به .
قوله : ﴿ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ﴾ فأما إحداهما فبالزكاة تؤخذ منهم قهراً ، وأما الأخرى فعذاب القبر في تفسير بعضهم . ﴿ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ يعني المنافقين . وعذاب القبر أيضاً في سورة طه [ 124 ] في قوله : ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكَاً ﴾ ذكروا عن أبي سلمة بن عبد الرحمن [ عن أبي هريرة ] عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكروه عن عبد الله بن مسعود ، وذكروه عن أبي سعيد الخدري أنه قال : هو عذاب القبر يلتئم على صاحبه حتى تختلف أضلاعه . وقال بعضهم : ﴿ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ﴾ أي : عذاب الدنيا وعذاب القبر ، ﴿ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ ، أي جهنم .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٣٦
﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ ﴾ جهات بلدتكم يا أَهل المدينة ﴿ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ﴾ كبعض أَسلم وغفار وجهينة وأَشجع ومزينة ، وأَكثر كل كل قبيلة من هذه القبائل مسلمون دعا لهم صلى الله عليه وسلم بالخير ومدحهم ، فالمراد فى الآية قليلهم كما دلت عليه من التبعيضية ، قال صلى الله عليه وسلم كما مر : « أَسلم سالمها الله تعالى وغفار غفر لها الله ، أَما أَنا لم أَقلها قالها الله تعالى » ، رواه أَبو هريرة ، وعنه مرفوعا كما مر : قريش والأَنصار وجهينة ومزينة وأَشجع وأَسلم وغفار موالى الله تعالى ورسوله لا موالى لهم غيره . والمراد الغالب فلا ينافى ما ورد من السوءِ . ﴿ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ ﴾ خبر مقدم ومبتدأٌ محذوف تقديره قوم ﴿ مَردُوا ﴾ نعت لقوم ، أَو يقدر منافقون أَى منافقون آخرون مردوا ﴿ عَلَى النِّفَاقِ ﴾ كقولهم : منا ظعن ومنا أَقام ، أَى منا فريق ظعن ومنا فريق أَقام ، وهو مقيس يحذف المبتدأُ ويبقى نعته الجملى كالنعت لمفرد أَو من أَهل المدينة عطف على ممن حولكم ومردوا مستأْنف للبيان أَو نعت لمنافقون ، وفى العطف يكون الفصل بين الموصوف وصفته بالمعطوف و هو لا يحسن كقولك فى الدار زيد ، وفى القصر العاقل على أَن العاقل نعت لزيد فأَلحق الأَعراب الأَول ، فبين الله أَن حول المدينة منافقين ربما علمتم وفى داخلها قوم منافقون استمروا وتشددوا فى ستر نفاقهم حتى لا يتفطن له رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى ﴿ لاَ تَعْلَمُهُمْ ﴾ يا محمد ، وما ذلك لأَنهم أَشد بلاغة منه فإِنه أَشد منهم ولكن لشدة محافظتهم على الستر ، والمعنى لا تعرفهم بالتعيين ﴿ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ﴾ نعرفهم وقد أَجاز غير واحد إِسناد المعرفة لله واختاره السعد ، وعلى المنع يقدر نعلمهم من هم أَو نعلمهم منافقين ولا حاجة إِلى تقدير الأَول كذلك ، أَى لا تعلمهم منافقين نحن نعلمهم منافقين ، لأَن فيه الحذف بلا داع ، نعم فيه إِبقاءُ العلم على أَصله ولا ينافى هذا قوله عز وجل ﴿ ولتعرفنهم فى لحن القول ﴾ لأَنا نصرف معرفتهم فى لحن القول على قوله وممن حولكم من الأَعراب منافقون ، أَو أَنه لا يعرفهم أَولاً ، ثم عرفهم لكن القتال نزلت قبل براءَة فروعى أَن آية القتال ، نزلت قبل تمام براءَة . ﴿ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ﴾ مرة بالفضيحة ومرة بعذاب الموت يشدد عليهم ، أَو بها وبعذاب القبر أَو بعذابه وعذاب الموت أَو بنهك الأَبدان بالأَمراض والإِذلال ، والثانى نهكها بالزكاة ، وعن الحسن بأَخذ الزكاة وعذاب القبر ، وقيل بالجوع مرتين وقيل غيظهم بأَهل الإِسلام وعذاب القبر ، وعن ابن عباس الأُولى بالحدود والثانية عذاب القبر ، وعن مجاهد : المراد تذيبها بالجوع مرتين ، وقيل : ضرب الملائكة وجوههم وأَدبارهم عند الموت وعذاب القبر ، وقيل إِحراق مسجد الضرار وعذاب جهنم ، أَو المراد بمرتين التكثير كلبيك وكرتين فيشمل العذاب المذكور فى الأَقوال كلها ، وقد قيل المراد ما يصيبهم فى الدنيا وما فى القبر وما بعد البعث ، وأَما القتل والسبى أَو القتل والجوع كما قيل فلا نعلم أَنه قتل المنافقين ولا سباهم ، والمروى أَنه قام صلى الله عليه وسلم خطيبا يوم الجمعة فقالك قم يا فلان فإِنك منافق ، قم يا فلان فإِنك منافق حتى أَخرج من المسجد ناسا وفضحهم ، وروى أَحمد بن حنبل عن ابن مسعود : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحمد الله وأَثنى عليه ثم قال :
« إِن منكم منافقين فمن سميته فليقم » ، ثم قال : « قم يا فلان فإِنك منافق » حتى سمى ستة وثلاثين ﴿ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ هو العذاب فى النار بعد الحشر . وأَسند التعذيب مرتين إِلى نفسه تعالى دون هذا ، قيل لاختلافهما ، حالا وأَن الأَول خاص بهم ، وقوعا وزمانا يتولاه الله تعالى ، والثانى شامل لعامة المنافقين وغيرهم وقوعا وزمانا ولو اختلف طبقات عذابهم فإِن المنافقين فى الدرك الأَسفل .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٣٦