سورة التوبة · الآية ١٠٨ من ١٢٩

‹ السورة السابقة
لَا تَقُمۡ فِیهِ أَبَدࣰاۚ لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ یَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِیهِۚ فِیهِ رِجَالࣱ یُحِبُّونَ أَن یَتَطَهَّرُوا۟ۚ وَٱللَّهُ یُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِینَ١٠٨
الرسم الإملائيّ

لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ

الجزء ١١الربع ٨١ صفحة ٢٠٤

تفسيرها

[سورة التوبة — آية 108]

﴿ لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً ﴾ ومعناه : أن هذا النهي عام لكل مؤمن عن القيام بمسجد يخاف على دينه أو نفسه ، من قبل من كان فيه من عباد الشيطان ؛ لأن عبادة الله وعبادة الشيطان متنافيان ، لا يتأتيان بمقام واحد في حال واحد ، ولأن النهي وارد عن القعود مع الحائضين في الحق ، حتى يخوضوا في حديث غيره إذ القدر عليه نهيهم فيه . ﴿ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى ﴾ هو مسجد قباء فيما قيل ؛ ﴿ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ﴾ من أيام وجوده وتأسيسه ، ﴿ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ﴾ للصلاة والذكر ، ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ ﴾ فقد انكشف لأهل التحقيق أن المراد بالمسجد الضرار من كان فيه من المضارين للمسلمين الذي يريدون عمارتها ، والمسجد المؤسس على التقوى ، عمارة الذين يحبون أن يتطهروا من المعاصي والنجاسات ، وإلا فلا يضر عمَّارها المطيعين إذا أسست على غير التقوى إذا اتخذت مساجد ، وإن أسست على التقوى فلا تنفع الداخلين فيها لعبادة الشيطان . ﴿ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾ مغنى محبتهم للتطهر أنهم يؤثرونه ويحرصون عليه ، حرص المحب للشيء ، ومعنى محبة الله إياهم : أنه يرضى عنهم ، ويحسن إليهم ويوفقهم لمرضاته .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٤٣

[سورة التوبة — آية 108]

قوله : ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحُسْنَى ﴾ أي : إن أردنا ببنيانه إلا خيراً ﴿ وَالله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .

في تفسير الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك نزل بين ظهراني الأنصار وبنى مسجد قباء وهو الذي أسس على التقوى . وقد كان المنافقون من الأنصار بنوا مسجداً ، فقالوا نميل به . فإما يأتينا رسول الله فيه وإما لا يأتيه ، ونخلو فيه لحوائجنا . ونبعث إلى أبي عامر الراهب [ لمحارب من محاربي الأنصار كان يقال له الراهب ] وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسره فيأتينا ونستشيره في أمورنا .

فلما بنوا المسجد وهو الذي قال الله عزّ وجلّ : ﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ أي : بين جماعة المؤمنين ، وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل ، يعني أبا عامر المحارب . قال : فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر الوحي ، فجعل لا يأتيهم ولا يأتونه . فلما طال ذلك عليه دعا بقميصه ليأتيهم . قال : فإنه ليزُرُّه عليه إذ أتاه جبريل فقال :

﴿ لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً ﴾ يعني ذلك المسجد ﴿ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ﴾ يعني مسجد قباء ، في تفسير الحسن ، ﴿ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ ﴾ . أي من الذنوب .

ذكروا أنه لما نزلت هذه الآية : ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يا أهل قباء ، إن الله قد أحسن عليكم الثناء [ في الطُّهور ] فماذا تصنعون؟ قالوا نغسل أدبار المقاعد »

وقال بعضهم : ذكروا لنا أن أناساً من أهل النفاق ابتنوا مسجداً بقباء ليضاهوا به مسجد نبي الله عليه السلام . وبعثوا إلى نبي الله ليصلِّيَ فيه . وذكر لنا أنه أخذ قميصه ليأتيهم حتى أطلعه الله على ذلك . وكان رجل فرّ من الإِسلام يقال له أبا عامر ، فلحق بالمشركين فقتلوه بإسلامه وقالوا : إذا جاء صلى فيه . قال مجاهد : ﴿ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ الله ﴾ أي : لأبي عامر .

ذكروا عن عثمان وعلي رضي الله عنهما في قوله : ﴿ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ﴾ قالا : هو مسجد النبي عليه السلام .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قوله : ﴿ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوَى ﴾ قال : « هو مسجدي هذا ، وفي ذلك خير » ، يعني مسجد قباء .

وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا المنافقين الذين بنوا ذلك المسجد فقال : « ما حملكم على بناء هذا المسجد؟ » فحلفوا له بالله : إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٤٣

[سورة التوبة — آية 108]

﴿ لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً ﴾ للصلاة ولا لغيرها ، أَى لا تمكث فهي ولا تدخله ، وعن ابن عباس : لا تقم لا تصل ، وإِن القيام بمعنى الصلاة ، بنى قبل غزوة تبوك ، فقالوا : صل لنا فيه ليكون مسجداً كما كنا نصلى فى قباءَ ، فقال : أَنا على سفر وإِذا قدمت صليت فيه إِن شاءَ الله ، ولما قدم كرروا الطلب فأَراد إِتيانه فنزلت الآية ﴿ الذين اتخذوا ﴾ وقوله ﴿ لا تقم فيه أبداً ﴾ فدعا بمالك بن الدخشم ومعن بن عدى وعامر بن السكن ووحشى فقال : انطلقوا إِلى المسجد الظالم أَهله فاهدموه وحرقوه ، فخرجوا مسرعين حتى أَتوا بنى سالم بن عوف رهط مالك بن الدخشم ، فقال : أَنظرونى حتى أَخرج لكم بنار ، فخرج من أَهله بشعلة من سعف وأَسرعوا بها حتى دخلوا المسجد ، وفيه أَهله فأَحرقوه وهدموه وتفرق أَهله عنه ، وأَمر صلى الله عليه وسلم أَن يتخذ كناسة تلقى فيه الجيف والنتن والقمامة ، وروى أَنه لما نزل بذى أَوان موضع قريب من المدينة ، بينه وبين المدينة ساعة راجعاً من تبوك سأَلوه أَن يأْتيه فدعا بقميصه ليلبسه فيأْتيهم فنزلت الآية . وقيل : قال له جبريل : لا تقم فيه أَبداً . فأَمر بهدمه وإِحراقه . قال عطاءُ : لما فتح الله عز وجل الأَمصار على عمر مر المسلمين أَن يبنوا المساجد ، وأَن لا يبنوا فى موضع واحد مسجدين يسار أحدهما الآخر ، وأَمر أَن يهدم كل مسجد حادث ضار الآخر . ﴿ مَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى ﴾ بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أُسه أَى أصله على التقوى أَى شبه التقوى بنحو صخرة فى تمسك ما وضع عليه ، وأَسس تخييل ، أُو على للاستعلاء المجازى والاستعارى التبعى أَو للتعليل والثانى أَولى واللام للابتداء لا غيره ، ومن العجيب أَن بعض المحققين كلما رأَى لام ابتداءِ أَجاز أَنه لام فى جواب قسم مقدر ، ولو لم يكن دليل على تقديره سوى أَن المعنى قابل له ، وروى أَن بنى عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباءَ أَتوا عمر بن الخطاب فسأَلوه أَن يأْذن لمجمع بن جارية أَن يؤَمهم فيه ، فقال : لا أَو ليس هو إِمام مسجد الضرار؟ قال : يا أَمير المؤمنين لا تعجل فوالله لقد صليت فيه وأَنا لا أَعلم ما أَضمروا ، ولو علمت ما صليت فيه ، وكنت غلاماً قارئاً للقرآن ، وكانوا شيوخاً لا يقرأون . فعذره عمر فأَباح له الإِمامة فى مسجد قباءَ ﴿ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ﴾ من يوم أَول أَو من أَول وقت ، والآية حجة على مجىءِ من لابتداءِ الزمان وله أَدلة كثيرة ، وأَخطأَ البصريون فى منع ذلك ، وتأْويل كل ما ورد من ذلك بغير الزمان مثل أَن يقدر من تأْسيس أَول يوم مع أَنه لو صرح بتأْسيس لكان الزمان به أَولى لكثرى المصدر بمعنى الزمان ، كجئْت طلوع الشمس ، وقلته فى المكان كجلست قرب زيد ، قال أَبو سعيد الخدرى : سأَلت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا المسجد فأَخذ كفَّا من حصباءَ فضرب به الأرض ، فقال :

« مسجدكم هذا مسجد المدينة » ، واختلف رجلان فسأَلاه صلى الله عليه وسلم : أَهذا أَو مسجد قباءَ؟ فقال : « مسجدى هذا » ، وقيل : مسجد قباءَ ، وعليه البخارى لأَنه ذكر فى جنب ذكر مسجد الضرار ، بناه صلى الله عليه وسلم وصلى فيه أَيام إِقامته بقباءَ من الاثنين إِلى الجمعة فى طريق هجرته ، خرج صبيحة الجمعة وصلى الجمعة فى الوادى ودخل المدينة ، وقيل : أَقام أربعة عشر ، وقيل اثنين وعشرين ، ولما بناه قالوا : صل لنا فيه ، وهذا نفس ما قيل ، بنوه فقالوا : صل لنا فيه ، فإِنهم يبنون معه ، بل معظم بنائِه منهم ، وبعد وصول المدينة كان يأْتيهم راكباً وماشياً يوما فى الأُسبوع أَحياناً يصلى فيه ، وقد يقال أَراد بمسجدى هذا الإِشارة إلى كل ما بنى للإِسلام تحرزا عن مسجد الضرار خاصة ، وأَما أَن يراد بمسجد أُسس على التقوى العموم فخلاف الأَصل لأَنه نكرة فى الإِثبات ولقوله عز وجل ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾ يجازيهم فإِنه فى رجال قباءَ وفى استنجائِهم بالحجارة ثم بالماءِ ، وفى هذا أَحاديث لأَحمد والبخارى وابن أَبى شيبة والطبرى والطبرانى وعبد الرزاق وابن مردوية والبغوى وابن خزيمة والحاكم . وكلام من جماعة من الصحابة كابن عمر وسهل الأَنصارى وهو الصحيح ، وعن أَبى سعيد الخدرى أَنه مسجد المدينة ، وأَنه أَخبره النبى صلى الله عليه وسلم ، وأَحاديث تفسيره بمسجد قباءَ أَكثر وأَصح ، فنقول نزلت فى شأْن مسجد قباءَ ولا تختص به وأَحق بمعنى حقيق ، أَو على ظاهره على زعم مسجد الضرار أَن مسجدهم حقيق بالقيام فيه أَو باعتبار أَنه لو جاز القيام فيه وإِما أَن يقال بالنظر إِليه فى ذاته لأَن المحظور قصدهم به ونيتهم فلا يصح لأَنه مع نيتهم فى بنائِه لا حظ له فى الخير فإِنه شر من الكنيف ، والرجال قوم من الأَنصار من بنى عمرو بن عوف وتطهرهم استنجاؤهم المذكور ، لما نزلت مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرون إِلى باب مسجدهم فقال : أَمؤْمنون؟ فسكتوا ، فأَعادها فسكتوا ، فقال عمر إِزالة لاستحيائِهم : إِنهم مؤمنون وأَنا معهم ، فقال صلى الله عليه وسلم : « أَترضون بالقضاءِ؟ » قالوا : نعم . قال : « أَتصبرون على البلاءِ » ، قالوا ، نعم . قال : « أَتشكرون فى الرخاءِ؟ » قالوا : نعم . قال صلى الله عليه وسلم : « مُؤْمنون ورب الكعبة ، » فجلس ثم قال : « يا معشر الأَنصار إِن الله عز وجل قد أَثنى عليكم فما الذى تصنعون عند الوضوء وعند الغائط؟ »

قالوا : يا رسول الله نتبع الغائِط الأَحجار الثلاثة ثم نتبع الأَحجار الماء فتلا : ﴿ رجال يحبون أَن يتطهروا ﴾ وأَراد بالغائط ما يشمل البول لأَن كلا من فضلة الطعام والماء فى الأَرض المطمئِنة واختصاص الغائِط بفضلة الطعام عرف للفقهاء للبيان ، ولفظ البزار كذلك نتبع الحجارة بالماءِ ، فقال هو ذاكم فعليكموه ، ولفظ ابن خزيمة ، إِن الله قد أَحسن عليكم الثناءَ فى الطهور فى قصة مسجدكم فما هو؟ قالوا : والله يا رسول الله ما نعلم شيئاً إِلا أَنه كان لنا جيران من اليهود يغسلون أَدبارهم أَى وأَقبالهم فغسلنا كما غسلوا ، وفسر بعض التطهر بغسل الجنابة لا ينامون عليها ، وبعض بالتطهر من المعاصى ومساوىءِ الأَخلاق طلباً لرضى الله عز وجل ، ويجمع بأَن سبب النزول التطهر المذكور للصلاة وعموم اللفظ باقى المعنى والمدح على عدم النوم بالجنابة لا على غسلها ، لأَنه لا بد منه لكل أَحد قادر وفسره بعض بطهارة الباطن والظاهر وفى المسأَلة بيت مشهور :

وإِن سأَلت وضوءًا ليس ينقضه … إِلا الجماع وضوءُ النوم للجنب

أبدلته بقولى :

إِن الوضوءَ الذى ليس بناقضه … غير الجماع وضوءُ النوم للجنب

لسلام قولى هذا من الركة ، وأَكدت ردا على من قد ينكر أَو يشك بل يجوز التأكيد قصداً للتقرير ولم لم يكن شك ولا إِنكار بحذف فاءِ الجواب وبابتداءِ الكلام بالواو وإِثبات واو الاستئناف لا يحسن ، ودعوى أَن هذه الواو أَول البيت عاطفة على محذوف خلاف الأَصل .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٤٣