سورة التوبة · الآية ١٧ من ١٢٩

‹ السورة السابقة
مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِینَ أَن یَعۡمُرُوا۟ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِینَ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ أُو۟لَٰۤئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ وَفِی ٱلنَّارِ هُمۡ خَٰلِدُونَ١٧
الرسم الإملائيّ

مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ

الجزء ١٠الربع ٧٥ صفحة ١٨٩

تفسيرها

[سورة التوبة — آية 17]

﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ ما صح لهم ولا استقام ﴿ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله ﴾ على الحقيقة ، لأن من كان كافرا ، فليس من شأنه أن يعمرها ؛ لأن حقيقة عمارة المساجد أن تعمر بعبادة الله وحده ، لا لغرض سواها ؛ ومن كان بمعزل عن العبادة لله ، فكيف يستقيم منه عمارتها ، بل ذلك من المحال ، ومن تنافي المعاني ، ومن دخلها لغرض دنياوي فقد تعدّى أمر الله من حيث أنه استعملها لغير ما جعلت له ، كما قال : ( ومن يرد فيه يإلحاد بظلم ..... ) ، الآية ، وقال : ( في بيوت أذن الله أن ترفع ) أي : تمنع وتطهر عن الأمور الدنياوية ( ويذكر فيها اسمه ) فقد جعلت للذكر كما قال : ( طهر بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود ) ؛ ﴿ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ﴾ باعترافهم بعبادة غير الله بلسان مقالهم أو لسان حالهم ، والمعنى : ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متضادين : عمارة متعبدات الله مع الكفر بالله وبعبادته ، ﴿ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴾ وإذا وحدت المساجد بين ظهراني من يقدر على عمارتها خربة من العمارة بالذكر ، ومخروبة بأعمال الدنيا ، فذلك دليل على أن قلوبهم خالية من الذكر ، خربة مشحونة بالوساوس اللغوية والأوهام الباطلة ، كما قال :

﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ ﴾ عمارتها بالعبادة لله ، لأنها بنيت لذلك وللذكر ، ومن الذكر درس العلم ، ويمنعها عن الذكر جميع الأمور الدنياوية الشاغلة ، إلا من دخلها للذكر ، ثم عرض له أمر دنياوي مما لا يوعثها ولا يضر بها ولا يكر بها ، ولا يؤذي القائمين بها للذاكرين فيها ، من قول أو عمل ، أو نوم ففيه خلاف بين المسلمين بالرأي ، فقيل : فيه المنع ، وقيل : بالترخيص ، وأما ما يقع منه الأذى للمسجد أو عماره ، فذلك ممنوع بالإجماع ، ولو كان قصده عند الدخول للعمارة ، ولحقه اسم الظلم والتعدي بذلك ، كما قال : ( ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها ..... ) الآية . وكذلك من قصدها بالدخول لذلك الفعل لا للذكر ، ولو كان مما لا يضر بها ولا يضر بالقائمين بها ، فذلك لاينساغ جوازه . ﴿ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ ﴾ وفي قوله : ﴿ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ ﴾ تنبيه على الإخلاص ، والمراد : الخشية في أبواب الدين ، بأن لا يختار على رضى الله رضى غيره لتوقع مخوف ؛ إذ المؤمن يخشى المحاذير ولا يتمالك لا يخشاها [كذا] ؛ ﴿ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾ تبعيد للمشركين عن مواقف الاهتداء ، وحسم لأطماعهم في الانتفاع بأعمالهم ؛ والمعنى : إنما تستقيم عمارة هؤلاء ويكون معتدا بها عند الله دون من سواهم .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٥٢

[سورة التوبة — آية 17]

قوله : ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ ﴾ وهذا كفر الشرك ، وهذا حين نفي المشركون من المسجد الحرام .

قوله : ﴿ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ ﴾ يقول : كلامهم يشهد عليهم بالكفر . ﴿ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾ في الدنيا والآخرة . ﴿ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٥٢

[سورة التوبة — آية 17]

﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدِ اللهِ ﴾ ما ثبت لهم شرعا أَن يعمروها بالدخول والقعود والمكث فيها على أَى حال وبعبادة الله أَو غيره . والمراد بمساجد الله مساجد الإِسلام ، ما وجد منها فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كالمسجد الحرام والمسجد النبوى ومسدد قبا ومساجد اليمن ، وما يوجد بعد زمانه صلى الله عليه وسلم ، أَو المراد المسجد الحرام وجمع تعظيما كقوله تعالى : ﴿ وإِذ قالت الملائكة يا مريم ﴾ ﴿ نادته الملائكة ﴾ ﴿ رب ارجعون ﴾ أَو أَن كل بقعة منه مسجد ، أَى موضع سجود ، أَو لأَنه قبلة المساجد كلها ، وكأَنه كل المساجد ، وعامره كعامر المساجد ﴿ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ﴾ بالشرك ، شهادتهم على أَنفسهم بالكفر إِظهارهم الشرك كعبادة الأَصنام ، وتكذيب الرسول ، وقولهم : إِنا كافرون بما جئت ، وقولهم : نعبد اللات والعزى ، وقولهم : لبيك لا شريك لك ، إِلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك ، ولا يجوز أَن يأذن المسلمون لمشرك فى دخول مسجد من مساجد الإِسلام ، وأَجاز قومنا أَن يأذن لهم مسلم فى دخوله لحاجة ، فإِن دخل بلا إِذن أَو بلا حاجة عزر ، ويدل لهم أَنه صلى الله عليه وسلم شد تمامة بن أَتال إِلى سارية فى مسجده وهو كافر ، قلنا : فعل ذلك لضرورة ، وأَنه نهى بعد ذلك وقبله عن دخوله لما أَسر جماعة من رؤساءِ قريش يوم بدر ، ومنهم العباس ، أَقبل عليهم نفر من أَصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيرونهم بالشرك ، وغلظ على عمه العباس يوبخه بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطيعة الرحم . فقال العباس : ما لكم تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا ، إِننا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ، ونسقى الحجيج ونفك العانى ، فنزل قوله تعالى : « ما كان للمشركين أَن يعمروا مساجد الله شاهدين على أَنفسهم بالكفر » أَى لا يستقيم الجمع بين متنافيين عمارة متعبداته مع الكفر به ، وعبادة غيره والكفر بعبادته ، وكانت لهم أَصنام تحت جدار الكعبة كلما طافوا طوفة سجدوا للأَصنام ، وكانوا يطوفون عراة كراهة أَن يطوفوا فى ثياب عصوا الله فيها ، فالآية إِبطال لافتخارهم بما فعلوا من العمارة ونحوها كما افتخر العباس عند التغليظ عليه ، وبيان لأَن ذلك كلا عمارة لاقترانه بما يناقضه ، وبيان لكونهم على أَخبث حال ، إِذ قابلوا أَعز موضع بأَقبح المعاصى ﴿ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾ بطلت لا ثواب لها لعدم شرطها وهو التوحيد فلا يعتد بفكهم الأَسير ، وإِلباس الكعبة والمحافظة عليها فى الأَبواب ، وسقى الحجيج ماء فيه زبيب والطواف ، فبطل افتخارهم بتلك الأَعمال ﴿ وَفِى النَّارِ ﴾ قدم عن متعلقه وهو خالدون للفاصلة ، وعلى طريق الاهتمام ، ويبعد الحصر على معنى أَن لهم خلودا لا يكون إِلا فى النار كأَنه لم يجر للخلود ذكر قبل ، وقوله ﴿ هُمْ خَالِدُونَ ﴾ معطوف على أُولئك حبطت عطف اسمية على اسمية أَولى من عطفها على فعلية هى حبطت أَعمارهم .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٥٢