إِنَّمَا یَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡءَاخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ یَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰۤ أُو۟لَٰۤئِكَ أَن یَكُونُوا۟ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِینَ١٨
الرسم الإملائيّ
إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
الجزء ١٠الربع ٧٥ صفحة ١٨٩
تفسيرها
﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ ما صح لهم ولا استقام ﴿ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله ﴾ على الحقيقة ، لأن من كان كافرا ، فليس من شأنه أن يعمرها ؛ لأن حقيقة عمارة المساجد أن تعمر بعبادة الله وحده ، لا لغرض سواها ؛ ومن كان بمعزل عن العبادة لله ، فكيف يستقيم منه عمارتها ، بل ذلك من المحال ، ومن تنافي المعاني ، ومن دخلها لغرض دنياوي فقد تعدّى أمر الله من حيث أنه استعملها لغير ما جعلت له ، كما قال : ( ومن يرد فيه يإلحاد بظلم ..... ) ، الآية ، وقال : ( في بيوت أذن الله أن ترفع ) أي : تمنع وتطهر عن الأمور الدنياوية ( ويذكر فيها اسمه ) فقد جعلت للذكر كما قال : ( طهر بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود ) ؛ ﴿ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ﴾ باعترافهم بعبادة غير الله بلسان مقالهم أو لسان حالهم ، والمعنى : ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متضادين : عمارة متعبدات الله مع الكفر بالله وبعبادته ، ﴿ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴾ وإذا وحدت المساجد بين ظهراني من يقدر على عمارتها خربة من العمارة بالذكر ، ومخروبة بأعمال الدنيا ، فذلك دليل على أن قلوبهم خالية من الذكر ، خربة مشحونة بالوساوس اللغوية والأوهام الباطلة ، كما قال :
﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ ﴾ عمارتها بالعبادة لله ، لأنها بنيت لذلك وللذكر ، ومن الذكر درس العلم ، ويمنعها عن الذكر جميع الأمور الدنياوية الشاغلة ، إلا من دخلها للذكر ، ثم عرض له أمر دنياوي مما لا يوعثها ولا يضر بها ولا يكر بها ، ولا يؤذي القائمين بها للذاكرين فيها ، من قول أو عمل ، أو نوم ففيه خلاف بين المسلمين بالرأي ، فقيل : فيه المنع ، وقيل : بالترخيص ، وأما ما يقع منه الأذى للمسجد أو عماره ، فذلك ممنوع بالإجماع ، ولو كان قصده عند الدخول للعمارة ، ولحقه اسم الظلم والتعدي بذلك ، كما قال : ( ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها ..... ) الآية . وكذلك من قصدها بالدخول لذلك الفعل لا للذكر ، ولو كان مما لا يضر بها ولا يضر بالقائمين بها ، فذلك لاينساغ جوازه . ﴿ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ ﴾ وفي قوله : ﴿ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ ﴾ تنبيه على الإخلاص ، والمراد : الخشية في أبواب الدين ، بأن لا يختار على رضى الله رضى غيره لتوقع مخوف ؛ إذ المؤمن يخشى المحاذير ولا يتمالك لا يخشاها [كذا] ؛ ﴿ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾ تبعيد للمشركين عن مواقف الاهتداء ، وحسم لأطماعهم في الانتفاع بأعمالهم ؛ والمعنى : إنما تستقيم عمارة هؤلاء ويكون معتدا بها عند الله دون من سواهم .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٥٣
﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله ﴾ يعني الكعبة لأنها مسجد جميع الخَلْقِ ، إليها يؤُمُّون . ﴿ مَنْ ءَامَنَ بِالله وَاليَوْمِ الأَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَءَاتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ ﴾ وعسى من الله واجبة .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٥٣
﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مسَاجِدَ اللهِ ﴾ المسجد الحرام ، أَو هو وغيره ، وذلك بالصلاة والقراءَة والعلم ، والتفريش بالحصير والحصباء والمصابيح وترك الكلام الدنيوى وما لم تبن له وغير ذلك مما لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . . وعمارته بالمصابيح والحصير وما كان على عهده ، فالآية إِذن فى كل ما هو عمارة شرعية ، ومن ذلك تفريشه بما أَخرجت الأَرض كالحصر وثياب القطن ولا يجوز الصوف ، وكرهته الحنفية ، ومن عمارته إِخراج القمامة ، قال صلى الله عليه وسلم : « إِخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين » ، وقال : « من بنى لله مسجدا ولو كمساجد الطرق بنى الله له بيتا فى الجنة » وقال : « الغدو والرواح إِلى المسجد جهاد فى سبيل الله » وقال : « إِذا رأَيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإِيمان » ، وقرأَ الآية . . وقال : « من أَسرج مصباحا فى المسجد لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له ما دام ضوءه » . ﴿ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ ﴾ إِنما يليق بعمارتها من اتصف بتلك الصفات ، ويؤذن له شرعا ، وأَما المشركون فلا حتى يوحدوا الله عز وجل ، أَو إِنما تعتبر عمارة من اتصف بها ، وعمارة غيره كأَن لم تكن بل تخريب لم يأذن الله به ، وأَجازت الحنفية دخول المشرك المسجد ، وكرهته بالمالكية والحنابلة ، وحرمه أَصحابنا ، ولو أَوصى مشرك لمسجد لم تقبل وصيته عند الحنفية ، وتنفذ عندنا ، وباقى الصفات داخل فى قوله « من آمن بالله واليوم الآخر » لأَن الإِيمان به يستدعى ترك المحرمات وفعل الطاعات ، وخص الإِيمان باليوم الآخر بالذكر لأَن قريشا أَنكروا البعث وإِقام الصلاة وإِيتاءِ الزكاة لأَنهما من الأعمال البدنية ، ويشير بهما إِلى باقى الأَعمال ولأَنهما قد يراد بهما جميع العبادات ، ولم يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأَن ذكر الله عز وجل يستتبعه حتى أنه يذكر حيث ذكر الله كما فى الأَذان والإِقامة والشهادة ، وأَيضا الصلاة تكون بالأَذان والإِقامة والتشهد ، ذكر له لأَنه صلى الله عليه وسلم يذكر فيهن ، وأيضا الصلاة والزكاة أَتى بهما صلى الله عليه وسلم ، فإِنما يتعلمان من جهته ، قال سلمان رضى الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من توضأَ فى بيته فأَحسن الوضوءَ ثم أَتى إِلى المسجد فهو زائر لله تعالى ، وحق على المزور أَن يكرم زائره » ، رواه الطبرانى ، ومن عمارته قراءَة القرآن فيه جماعة ، وهو أَفضل ما يعمر به ، وتعليم العلم والتعلم فيه ، ويطهر عن شعر الكذب والفحش ، ويجوز قراءَة دواوين الشعراءِ بقصد تعلم العربية لا بغناء ، وينبغى تجنب شعر الفحش إِلا بإِظهار تقبيحه وخفض الصوت به ، ولا إِشكال فى ذكر الزكاة فى مقام عمارة المساجد لأَن المراد بذكرها بيان أَن من لا يؤتيها لا تعتبر عمارته ، إِذ ترك ركنا من الإِسلام ﴿ فَعَسَى أُولَئِك أَنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ ﴾ إِلى الجنة ، ذكره بلفظ الترجى المصروف للخلق لأَنهم لا يدرون بم يختم لهم ، وزجرا لأَن يقطعوا بتحقيق أَعمالهم وتوحيدهم لإِمكان أَن يختل بما لم يتفطن له وقطعا لأَطماع المشركين عن كون ما هم عليه اهتداء ، وعن الانتفاع بأَعمالهم ، وزجرا للمؤمنين أَن يأمنوا مكر الله بأَعمالهم ، وقد كان حالهم عند الله دائرا بين عسى كهذه الآية ، ولعل كقوله تعالى :
﴿ لعلكم تفلحون ﴾ مع أَن مثلهما من الأَكابر جزم ، وجئَ بهما إِثباتا للخوف والرجاءِ .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٥٣