[سورة الأنفال — آية 15]
قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ ﴾ أي : منهزمين ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ ﴾ أي : ينهزم ﴿ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ﴾ أي : يوم بدر ﴿ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ ﴾ أي يتحرّف للقتال ، أن يدع موقف مكان لمكان . ﴿ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ ﴾ أي ينحاز إلى جماعة ﴿ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ الله ﴾ أي استوجب غضباً من الله ﴿ ومأواه جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ أي بئس مصير من صار إلى جهنم .
قال الحسن : لم يكن الفرار من الزحف من الكبائر إلا يوم بدر ، لأن تلك العصابة من المسلمين لو أصيبت لذهب الإِسلام . فكان الله قد افترض في هذه الآية : ﴿ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [ الأنفال : 65 ] فأمر الله المسلمين أن يصبروا لعشرة أمثالهم إذا لقوهم . ثم أنزل الله بعد ذلك التخفيف فقال : ﴿ « الآنَ خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ الله ﴾ [ الأنفال : 66 ] . فلم يقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اظهر الله الإِسلام وصار الجهاد تطوّعاً .
فإن جاء المسلمين عدوٌّ لا طاقة لهم به تحيّزوا إلى البصرة ، أو قال : إلى بصرتهم . وإن جاءهم ما يغلبهم تحيّزوا إلى الكوفة ، فإن جاءهم ما يغلبهم تحيّزوا إلى الشام ، وإن جاءهم ما يغلبهم تحيّزوا إلى المدنية ، فإن جاءهم ما يغلبهم فليس ثَمَّ تحيّز ، وصار الجهاد فريضة .
ذكروا عن الحسن أنه قال : إن عمر بن الخطاب لما بلغه قتل أبي عبيدة بن الجراح وأصحابه بالقادسية قال : يرحم الله أبا عبيدة؛ لو انحاز إلينا لكنا فئته .
ذكروا عن الحسن قال : لو أن أهل سمرقند انحازوا إلينا ونسأل الله العافية من ذلك لكنا فئتهم .
ذكروا أن أبا بكر وعمر كانا يقولان للجيوش : وإن غلبكم أمر فانحازوا إلينا ، فإنا فئتكم .
ذكر بضعهم قال : أوجب الله لمن فرّ يوم بدر النار ، ثم كانت أُحُد بعدها فأنزل الله : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ إِنَّ الله غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾
[ آل عمران : 155 ] . ثم كانت حنين بعدها بسبع سنين فأنزل الله : ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ . ثُمَّ أَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ ثُمَّ يَتُوبُ الله مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاءُ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [ التوبة : 25-27 ] .
قال بعضهم : يوم الدجّال كيوم بدر . ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « أفضل الشهداء شهداء بدر ، وشهداء الأعماق ، والأعماق أنطاكية »
ذكروا عن عبد الله بن عون أنه قال : كتبت إلى نافع أسأله عن الفرار من الزحف ، فقال : إنما كان يوم بدر .