[سورة التوبة — آية 2]
﴿ فَسِيحُوا فِى الأَرْضِ ﴾ قل لهم : سيحوا . والأَولى أَن يحكى مع ما بعده ببراءَة لأَن فيها معنى القول ، وأَصل السيح جريان الماءِ وانبساطه ، والأَمر بالسياحة إِباحة بإِزالة الخوف من القتل والأَسر وهو فى معنى الإِطلاق بعد الحصر لأَنهم كانوا خائفين ، وإِخافتهم كالمنع من السير والسياحة السير حيث شاءَ وأولوا ببعد عن العمران ﴿ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ تسمى أَشهر المدة فى أَمن وبعدها الحرب والقتل والأَسر والسبى إِلا إِن أَسلمتم ، والمدة لأَن يتفكروا ويراعوا الأَصلح إِذا لم يبق إِلا التشديد ولئلا ينسبوا المسلمين إِلى الغدر . لو كانت البراءَة متصلة بالحرب بعدها ، يتوهمون الغدر قبلها بالاستعداد ، وليعلموا أَن المؤمنين غير مكترثين بهم وباستعدادهم فى الأَشهر ، نزلت براءَة فى شوال وبلغت البراءَة والنقض فى اليوم العاشر من ذى الحجة وابتداء الأَشهر منه وتمامها العاشر من ربيع الثانى ، فيكون سمى عدد الأَيام شهرا ولو لم تكن من شهر واحد ، بعث صلى الله عليه وسلم عليا أَن يؤدى ، فقيل : هلا أَمرت الصديق ، وهو أَمير الحج فى ذلك العام ، فقال : لا يؤدى عنى إِلا رجل منى ، ويروى : لا ينبغى لأَحد أَن يبلغ هذا إِلا رجل من أَهلى ، يعنى العهد ونقضه على عادة العرب لا بوحى فيهما أَن يتولاهما لرجل هو من أَهله ، وأَما غيرهما فكثيرا ما يرسل صلى الله عليه وسلم فيه من ليس من أَهله ، وقيل : نزلت فى عاشر ذى القعدة ، وبلغت فى عاشر ذى الحجة ، وابتداء الأَشهر من عاشر ذى الحجة ، سافر على إِلى مكة للتبليغ على العضباءِ ناقة له صلى الله عليه وسلم ، وليست عضباءَ ، أَى مشقوقة الأُذن ، ولكن لقبت بذلك ، ولما سمع الصديق رغاءَها وقف فقال : هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال لعلى : أَمير أَو مأمور ، فقال : مأمور ، وخطب الصديق اليوم الثامن وعلمهم المناسك . . وفيه تلويح إِلى خلافته لعظم شأن الحج ، ولا سيما فى هذه الواقعة ، وأَنه استخلفه صلى الله عليه وسلم فى صلوات آخر أَمره ، وقال على يوم النحر عند جمرة العقبة ، يا أَيها الناس ، إِنى رسول رسول الله إِليكم ، فقالوا : بماذا؟ فقرأَ أَربعين أَو ثلاثين آية من أَول السورة ، ثم قال : أمرت بأَربع : أَلا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ولا يدخل الجنة إِلا كل نفس مؤمنة ، وأَن يتم إلى كل ذى عهد عهده . وذكر الأَمر بالأَربع فى مكة وعرفة أَيضا بأَمره صلى الله عليه وسلم فى صوت عال ، ولو بلغ عنه أَجنب لربما لم يقبلوا ، ولما بلغ على قالوا : أَبلغ ابن عمك أَنا قد نبذنا العهد وراءَ ظهرنا ، وأَنه ليس بيننا وبينه إِلا طعن بالرماح وضرب بالسيوف ، فتح مكة عام ثمانية ، وكان التبليغ عام تسعة ، أَراد الحج عام تسعة ، فقيل له : إِن المشركين يطوفون عراة ، فأَمر الصديق على الحج ، وأَلحقه عليا للتبليغ .
وذكرت الفتح وسببه مبسوطا فى شرح النونية ، وفى سنة تسع عاد الحج إِلى ذى الحجة بالنسئِ ، وقال : أَلا إِن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق ا لله السموات والأرض . وعاهد يوم الحديبية قريشا على وضع الحرب عشر سنين ، ودخلت خزاعة فى عهده صلى الله عليه وسلم ، وبنو بكر فى عهد قريش ، فغدرت بنو بكر وأَعانتهم قريش بالسلاح ، فقال عمرو بن سالم الخزاعى على باب المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم مع الصحابة فى المسجد :
يا رب إِنى ناشد محمدا … حلف أَبينا وأَبيه الأَتلدا
قد كنتم ولدا وكنا ولدا … ثمت أَسلمنا ولم ننزع يدا
فانصرهداك الله نصرًا أَيدا … وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا … إِن سيم خسفا وجهه تربدا
إِن قريشا أَخلفوك الموعدا … ونقضوا ميثاقك المؤكدا
وجعلوا إِلى كداءَ رصدا … وزعموا أَن لست أَدعو أَحدا
وهم أَذل وأَقل عددا … هم بيتونا بالوتير هجدا
وقتلونا ركعا وسجدا … فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « نصرت يا عمرو بن سالم » ، وعرضت له سحابة . وقال : إِن هذه السحابة لتستهل بنصر بنى كعب ، وأَمر أَن يتجهزوا لفتح مكة . وقال : لا نصرت إِن لم أَنصرك . . ففتح مكة فى عامه عام ثمانية ، وحج فى العاشر حجة الوداع ، لما قيل له عام تسع : إِن المشركين يطوفون عراة ، فترك الحج إِلى العاشر ، ولحق علىٌّ الصديق قريبا من المدينة ، فرجع الصديق فقال : يا رسول الله بأَبى أَنت وأمى ، هل نزل فىَّ شئ ، قال صلى الله عليه وسلم : « لا . . ولكن لا ينبغى لأَحد أَن يبلغ هذا إِلا رجل من أَهلى ، أَما ترضى أَنك معى فى الغار ، وأَنك معى على الحوض » ؟ فقال : بلى . . يا رسول الله ، وقيل : لحقه على فى العرج . . - بفتح فكسر - ويدل له ﴿ فإِذا انسلخ الأَشهر الحرم ﴾ جعل شوالا من الحرم تغليبا - قرية جامعة بينها وبين المدينة ستة وسبعون ميلا ، ويبعد أَن يرجع الصديق منها ، فلعله قال : هل نزل فىَّ شئ ، وبلغ على فقال : أَمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأَنه من كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو إِلى مدته ، أَى ولو كانت أَقل من أَربعة أَشهر أَو أَكثر ، ومن لم يكن له عهد فأَجله أَربعة أَشهر ، رواه يزيد ابن تبيع عن على ، وهذا رد لقول مجاهد أَنه مان كان عهده أَقل أَو أَكثر ، أَو بلا مدة أَولا عهد له فأَربعة كمن له أَربعة ، ويناسب قوله
﴿ فأَتموا إِليهم عهدهم ﴾ والسنة أَلاَّ يجاوز المسلمون الأَربعة الأَشهر لهذه الآية ، وإِذا ضعفوا فلا يجاوزوا عشرة أَعوام لقصة الحديبية ، وأَجيب بأَن لهم عهدهم المذكور فى الآية ، وقال الكلبى : من له أَقل من الأَربعة فأَربعة ، ومن له ما فوق فله ما فوق ، وقيل : ابتداء الأَشهر من شوال وآخرها آخر المحرم ، ويدل له فإِذا انسلخ الأَشهر الحرم وجعل شوال من الحرم تغليبا ، وقيل : من عاشر ذى القعدة فآخرها عشرة ربيع الأَول ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللهِ ﴾ غير فائتيه بعذاب الدنيا بالأَسر والقتل وغيره ، ولا عذاب الآخرة ، فلا تغتروا بإِمهاله ولسياحتكم واستعدادكم ﴿ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِى الْكَافِرِينَ ﴾ مذلهم فى قلوبهم فلا يعتقدون عزة لأَنفسهم ، أَو هذه فى القتل والأَسر وما قبله فى عذاب الآخرة ، وأَعاد لفظ الجلالة ولم يضمر لتربية المهابة ، ولم يضمر للكافرين للفاصلة ، وتعليق الحكم بالكفر ، وإِن أريد بالكافرين الجنس المعهودون فالإِظهار هو مقتضى الظاهر ، ويدخل المعهودون بالأُولى .