[سورة الرعد — آية 2]
﴿ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيم * المر ﴾ اسم للسورة ، أَو حروف من أَوائل أَسماءِ الله ، وقد قيل : المعنى أَنا الله أَعلم وأَرى .
﴿ تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ ﴾ الإِشارة إِلى آيات السورة هذه ، أَو آيات القرآن ، أو إلى أَخبار الرسل المذكورة فى سورة يوسف المشار إليها إجمالا فى آخرها ، وحضورها باعتبار تىوة بعض لبعض فى التلاوة أو فى اللوح المحفوظ أو مع الملك ، والكتاب القرآن ، وهو الكتاب العجيب المغنى عن الوصف المعروف من بين الكتب ، أَو السورة أَو اللوح المحفوظ أَى آيات ، هن الكتاب أَو هن السورة أًو بعض من الكتاب ، أَو هن السورة ، وأَل للكمال أَو للعهد الحضورى أَو الاستغراق مباغلة ، والمراد بالكمال كمال السورة فى نفسها لا الفضل على غيرها لأَن قوله : ﴿ تلك آيات ﴾ مذكورة فى أَوائل سور متعددة فكل واحدة آية كاملة فى ذاتها ﴿ وَالَّذِى أُنْزِلَ إِليْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ ﴾ نعت آيات ، والعطف عطف عام على خاص ، أَو عطف صفة على أُخرى لموصوف ، أَى تلك آيات الكتاب الجامع بين كونه كتابا ، وكونه منزلا من ربك ، والكتاب بمعنى المكتوب فى اللوح المحفوظ ، أَو فى صحف الملائِكة ، والحق خبر لمحذوف أَى هو الحق ، أًو الذى مبتدأُ والحق خبره ، على هذا فالذى القرآن ، أو مع سائِر الوحى إليه صلى الله عليه وسلم ، والجملة كالحجة للجملة قبلها فإِن ما هو منزل من الله حقا يكون كاملا لا محالة ، وإِذا جعلنا الذى مبتدأً حصل الحصر بتعريف الطرفين مع أَن القياس أَيضا حق ، والإِجماع حق والسنة حق ، والجواب أَنهن دخلت فى المنزل ضمنا السنة لقوله : - عز وجل - ﴿ وما آتاكم الرسول ﴾ إلخ ، والإجماع لقوله صلى الله عليه وسلم : « لا تجتمع أُمتى على الضلالة » الثابت ﴿ وأُولى الأَمر منكم ﴾ أَى المدتهدين ، وأَما الكتب المتقدمة فلأَن القرآن مصدق لها ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ بأَنه من الله فى ذكر دلائِل السموات فى أَوائِل السورة بقوله :
﴿ اللهُ الَّذِى رفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ إلخ وفى ذكر دلائِل الأَرض بقوله : ﴿ وهو الذى مد الأَرض ﴾ إلخ ، وكذلك قوله تعالى فى أَواخر السورة قبلها : ﴿ وكأََين من آية فى السموات والأَرض ﴾ ومعنى رفعها نقلها من الجهة السفلى ، إِذ كانت على الماءِ ، أَو خلقها فى علو ، ودلت الآية على أَن لا علاقة للسموات أَيضاً لأَن الآية فى دلائِل قدرة الله ، ولو رفعها بلا عمد مع علاقة لم يستعظموا قدرته ، ولو كانت بعمد لاحتاجت تلك العمد إلى أُخرى فيتسلسل ذلك وهو محال ، ولو كانت بعلاقة لاحتاجت العلاقة لأُخرى ، وحاصل الآية أَنه أَمسك السموات بقدرته حيث هى ، ورفعها إِمساكها حيث هى بلا علاقة ولا عمد ، وعمد جمع عماد أَو عمود على غير قياس والقياس أَعمدة أَو أَعمد ، أَو اسم جمع وذلك كإِهاب وأُهُب وأَديم وأُدم ، وأَفيق وأُفق ، قيل : ولا خامس لها ، وذلك كله رباعى ثالثه مدة جمع على فعل ، ويدل على أَنه غير مفرد التأْنيث فى قوله : - عز وجل
﴿ فى عمد ممددة ﴾ وقيل : هو مفرد مؤنث ، والمنفى العمد والرؤية معا ، وحاصله أَن لا عمد فضلا عن أَن ترى ، وقال مجاهد وعكرمة : نفيت الصفة فقط فالعمد ثابتة لا ترى وهى جبل قاف محيط بالدنيا بعد المحيط من زمرد أَخضر عليه أَطراف السماءِ ، وهو كلام غير كاف إذ تبقى السموات ، أَو يدعى أَن أَطرافهن كلهن على جبل قاف ، ولا ندرى أَصح أم لا ، والصواب : أَن العمد على فرض ثبوتها هى القدرة ، والقدرة لا ترى وإنما يى أَثرها فالعمد هى قدرة الله - عز وجل - وهى واحدة ذاتية ، وأَما جمعها فتمثيل أو باعتبار متعلقاتهم والجملة نعت لعمد وها لها ، ويجوز كونها للسموات ، فالجملة مستأنفة أَو حال من ، ورؤيتنا السموات برؤية نجومهن ن وما تقدم أَظهر ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ ملك الأُمور كلها ، والأَجسام كلها أَو حفظها ودبرها ، أَو خلق الجسم العظيم المسمى عرشاً ، وثم للترتيب الذكرى أَو لمجرد العطف ، وكل موجود سوى الله متناه لأَنه لو وجد جسم لا يتناهى لزم أَنه قديم غير مخلوق ، واعتقاد هذا إشراك ، والعرش والسموات دليل على وجود الصانع ووحدته ، وكمال قدرته وعموم علمه فإِن إِمساكهن فى مجالها دليل على أَن لها فاعلا يختار ما شاءَ ، من الجائز اختار موضعهن ، ولسائِر الأَجسام أَيضاً مجالها فليس بجسم ولا عرض لعجزهما ، وعلى ذلك الأُسلوب تغيير الشمي والقمر فى قوله ﴿ وسَخَّر الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ﴾ ذللهما لما أَراد منهما من حركة سريعة واستدارة فى منازل لو شاءَ لزاد فى سرعتهما أَو نقص ، أَو سكنتا أَو دارتا على غير دورانهما ، فاختار ما هما عليه على غيره ، وجعل حركتهما نافعة فى حصول الفصول الأَربعة وما يترتب عليها من حر وبرد ونبات وثمار ﴿ كُلٌّ ﴾ منهما ﴿ يَجْرِى ﴾ فى فلكه ﴿ لأَِجَلٍ مُسَمَّى ﴾ وهو يوم القيامة ، أو دور احول للشمس والشهر للقمر لا يختلف ذلك واختاره بعض ، وبعضهم الأَول كما اختلف فى قوله ﴿ والشمس تجرى لمستقر لها ﴾ وعندى أَن المراد فى الآيتين الثانى ، أَلا ترى إلى قوله : ﴿ ذلك تقدير العزيز العليم ﴾ مع قوله : ﴿ والقمر قدرناه ﴾ واستدل الأَول بقوله عز وجل : ﴿ إِذا الشمس كورت * والنجوم انكدرت ﴾ ويناسب الثانى أَن التسخير لمنافع العباد ، وهى بالفصول لا بيوم القيامة ، واللام على كل حال بمعنى إلى ﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾ يقضى أَمر ملكه بإِبقاءٍ وإِحياءٍ وإِماتة وإٍفناءٍ ورزق وإِنزال الوحى والكتب والتكليف والإِغناءِ بعد الفقر والعكس ، وكون الأَحمق فى أَهنإِ عيش العاقل الذكى فى عسر وضيق قيل :
كم عاقل عاقل أًعيت مذاهبه … وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذى ترك الأَوهام حائِرة … وصيَّر العالم النحرير زنديقا
أَى شاكَّا فى وجود الصانع تعالى وأَخطأَ ، بل ذلك دليل على وجوده تعالى كما قيل :
كم عاقل عاقل قد كان ذا عسر … وجاهل جاهل قد كان ذا يسر
تحير الناس فى هذا فقلت لهم … هذا الذى أَوجب الإِيمان بالقدر
وكما قيل :
كم من أَديب فهم قلبه … مستكمل العقل فقل عديم
ومن جهول مكثر ماله … ذلك تقدير العزيز العليم
﴿ يُفَصِّلُ الآياتِ ﴾ يبين دلائِل قدرته أَو تنوعها ، أَو الآيات المتلوَّة أَو يحدث الدلائِل شيئاً بعد شىءٍ ﴿ لَعَلَّكُمْ ﴾ أَيها الناس عموما ، أَو يا أهل مكة ، الترجى هنا بمعنى الاختيار ، أَو لعل للتعليل ﴿ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴾ توقنون بلقائِه بالبعث ، وكأَنه يفصل آياته فى كتابه أَو كتبه المنزلة لعلكم توقنون بالجزاءِ ، وأن هذا المدبر المفصل لا بد لكم من الرجوع إليه فإٍنه لا يخلقكم عبثا ، وبأَن القادر على خلق السموات ، والأَرض والشمس والقمر وسائِر الحوادث قادر أَن يبعثكم .