[سورة الحج — آية 37]
﴿ والبُدْنَ ﴾ جمع بدنة بقرة أو بعير ذكر أو أنثى ، تنحر بمكة هديا كالضحية من الغنم ، وسميت لأنها تسمن ، ثم تهدى فهى عظيمة البدن ، روى مسلم عن جابر : كنا ننحر البدنة عن سبعة فقيل ، والبقرة فقال : هى من البدن وعن مجاهد والحسن ليست منها ، روى أبو داود عن جابر عنه صلى الله عليه وسلم : « البدنة عن سبعة ، والبقرة عن سبعة » ويجمع بأن الأصل والأكثر استعمالها فى الإبل ، وقل فى البقر أو هى منها حكما فى الأجر لا لغة ﴿ جعلناها لكم من شعائر الله ﴾ علامات دينه ﴿ لكم فيها خير ﴾ دنيوى ودينى عند ابن عباس ، وعن السدى دينى ﴿ فاذْكُروا اسْم الله عَليْها ﴾ عند النحر باسم الله ، والله أكبر ، اللهم منك ولك ، وقال أبو حيان : الله أكبر لا اله الا الله ، والله أكبر اللهم منك وإليك . ﴿ صوافّ ﴾ كل واحدة قائمة صفت ثلاثة أرجل ، وتعقل اليد اليسرى عند الجمهور كما يفعله النبى صلى الله عليه وسلم كما رواه ابن أبى شيبة ، وأبو داود عن ابن ساقط الصحابى ، وعن ابن عمر اليمنى ، وعن عطاء أيهما شئت ، وهو حال من مجرور على ﴿ فإذا وََجبَت جُنُوبها ﴾ سقطت علىلأرض كناية عن الموت ، أو وجبت ثبتت بلا تحرك جنب منها ، وذلك موتها ، ولم تجر عادة بذبح البقر قائمة ، بل مضطجعة ، وقلما نحر البعير مضطجعا عند الأوائل فترجح أن البُدن الإبل .
﴿ فكُلُوا منْها ﴾ ثلثا ومنه الادخار للأكل ﴿ وأطْعمُوا القانع ﴾ ثلثا والمراد الجنس فشمل القانعين وما فوقهما ، وهو الراضى بما يعطى ، ولا يسأل أو بما عنده ، والفعل قنع يقنع كفرحت أفرح أو هو الساتر لفقره بعدم السؤال كالقناع الساتر للرأس ﴿ والمُعْترّ ﴾ ثلثا والمراد الجنس ، وهو التعرض للسؤال ، وهو يسأل : وقيل القانع السائل ، والفعل كسألت الله أسأله كقوله :
وما خنت ذا عهد وأبت بعهده … ولم أحرم المضطر إذ جاء قانعا
والمعتر المتعرض بلا سؤال ، وعن سعيد بن جبير ، القانع أهل مكة ، والمعتر غيرهم ، وعن مجاهد الجار ، ولو غنيا ، وقيل الصديق الزائر ، والصحيح الأول والقسمة بالثلث لابن مسعود ، وقيل عن محمد بن جعفر من ذرية فاطمة للقانع ، المعتر ثلث والأهلى ثلث ، واللبائس الفقير ثلث ، ويروى ادخر ثلثا ، وكل ثلثا وتصدق ثلثا ، وعن سعيد بن المسيب للبائس الفقير ، والقانع والمعتر ثلاثة أرباع ، ولك الربع قيل وهو مضطرب ، ولا يأكل مما هو كفارة .
﴿ كذلك ﴾ التسخير لها الذى شاهدتم حتى قويتم على عقلها ونحرها مع قوتها ﴿ سخرناها لكم ﴾ أثبتناها بعد ، ويبعد أن المعنى سخرناها لكم كما أمرناكم بذلك ، وإنَّما قلت ما ذكر ، لأأنه لا يشبه الشىء بنفسه ، أو أولى من ذلك أن يقال : سخرناها لكم على الكيفية التى شاهدتم ﴿ لعلَّكُم تشْكُرون ﴾ إنعامنا بالتقرب مخلصين ، ونفعها لكم ، ولا حاجة لله بها كما قال :
﴿ لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ﴾ فينتفع بها ، أو لن تصيب رضا الله ، بها تصيبونه بالتقوى كما قال : ﴿ ولكن يناله التَّقوى منْكُم ﴾ بجعلها من حلال ، وإخلاصها وقيل أرادوا بسط اللحم حول الكعبة ، ونضحها بالدم تعظيما لها كالجاهلية ، فنزلت الآية { كذلك سخَّرها لَكُم كرره تذكيرا للنعمة ، كقوله : أنعمت عليكم أنعمت عليكم فانتبهوا ، وتعليلا بقوله عز وجلّ : ﴿ لتكبِّروا الله ﴾ لتعتقدوا كبرياءه لقدرته على ما لا يقدر الخلق عليه ، فتوحدوه بصفاته وأفعاله ، أو لتقولوا الله أكبر عند الإحلالُ أو التذكية ﴿ عَلى ما هداكم ﴾ ما مصدرية ، والتقدير على هدايته إياكم متعلق بتكبروا لتضمنه معنى تشكروا أو تحمدوا ، أو التقدير لتكبروا الله شاكرين ، أو حامدين على هدايته إياكم أو على للتعليل .
﴿ وبشِّر المحسْنِين ﴾ العابدين الله بتوحيدهم له ، والإخلاص فى قولهم ، وفعلهم كأنهم يشاهدونه حاشاه عن إمكان مشاهدته .