[سورة النجم — آية 39]
﴿ وأنْ لَيس للانسان إلاَّ ما سعَى ﴾ إلى ما سعاه ، أو لا سعيه ، ويقدر مضاف ، أى الا ثواب ما سعاه أو ثاب سعيه ، أو ما سعاه هو ماله هو الجنة ، سماه باسم ملزومه أو اسم سببه وهو الفعل المعبر عنه بالسعى ، والحصر باعتبار غير هذه الآمة ، وأما هذه الآمة ، فلها ما سعت وما سعى لها ، كما جاء به الحديث ، وهو على عمومه فرضا ونفلا تؤدى الفرض عمن لزمه ، والنفل كقضاء دين عمن هو عليه ولو حيا ، وتنوى النفل لمن شئت ولو حيا ، ومن ذلك قوله تعالى « ألحقنا بهم ذرياتهم » لأنها ألحقت بهم لأعمالهم .
وعن عائشة رضى الله عنها : قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أن أمى افتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت تصدقت ، فهل لها أجر إن تصدقت عليها؟ قال : « نعم » وعن ابن عباس قال : قال رجل : يا رسول الله نذرت أمىلحج فماتت أفأحج عنها؟ قال : « نعم كما تقضى عنها الدين وحق الله أحق بالقضاء » وقال سعد بن عبادة : هل لأمى أجر اذا تصدقت عنها؟ فقال صلى الله عليه وسلم : « نعم » وعنه صلى الله عليه وسلم : « من مات وعليه صوم صام عنه وليه » وكذا غيره من العبادات ، ودعوى نسخ هذا الحديث باطلة لا دليل عليها ، وقال صلى الله عليه وسلم لولد العاصى بن وائل : « لو كان العاصى مقرا بالتوحيد فصمت أو تصدقت عنه نفعه » ولهذه الأحاديث صح أن يقال : الآية جارية على هذه الآمة ، من نوى لأحد خيرا فهو قائم مقامه ، فالمنوى له ساع لنفسه مجازا جمعا بين الحقيقة والمجاز ، أو من عموم المجاز ، وهو تحصيل الخير .
وأيضا سعى الانسان لنفسه سبب لاعتبار سعى غيره له ، فسعى غيره له كسعيه إذ كان سبب قبوله على الجمع بين الحقيقة والمجاز ، أو عموم المجاز ، وسأل عبد الله بن طاهر ، وهو والى خراسان ، الحسن بن الفضل عن هذه الآية مع قوله تعالى : ﴿ والله يضاعف لمن يشاء ﴾ فقال : ليس للإنسان بالعدل إلا ما سعى ، وله بالفضل المضاعفة بما شاء الله تعالى ، فقبل رأسه ، وقيل : الانسان فى الآية الكافر ، وأما المؤمن فله ما سعى له ، وعن ابن عباس : الآية نسخت بقوله تعالى : ﴿ والذين منوا واتبعتهم ذريتهم ﴾ الخ واعترض بأنه لا نسخ فى الأخبار ، بل الآية لمن قبلنا ، وأما نحن قلنا ما عملنا وما عمل لنا ، وقيل : اللام بمعنى على ، ووجهه أن الآية فيمن قال افعل كذا أو احمل ذنبك ، فقال الله عز وجل : لك ذنبك خاصة لا ذنب غيرك ، ومن ذنب الانسان اضلاله غيره وهو غير متبادر .
وأيضا الخطاب لمن أعطى قليلا وأكدى ، ويجوز أن يكون المعنى انما يتصور للانسان أن يقول : لى كذا من سعيه ، وما لم يكن من سعيه ، بل بزيادة فضل الله تعالى : وهبة غيره له ثواب عمل عمله له ، فليس مما يقول هو لى ، يقول هبة وتفضل ، والحق أن ما يوهب من النفل من صلاة أو مال أو قراءة أو غير ذلك لميت أو حى ، يصح له كما صح بالمكاشفة والرؤيا ، والأخبار ولو نواه له ، أول العمل ، والأولى أن يؤخر الهبة الى أن يتم ، ولا يضره الخطور بباله ، وعن الشافعى : كمالك أن العمل البدنى المحض كالصلاة والصوم والقراءة لا يصل ، ويصل نحو الصدقة والحج ، وقال جماعة من أصحاب الشافعى : تصل ، واشترط بعض نية الهبة من أول ، وعكس بعض فقال : لا يهب العمل لمن يشاء إلا بعد تمامه ، ولو قصده فى قلبه من أول ، وليس ذلك منافيا لقوله : لوجه الله تعالى صالح عملى ، لأن المراد دعاء الله أن يقبله عنه ، ويعطيه فلانا ، ويصل العبادات كلها الميت .
وعن الشافى لا يصل الميت ثواب القراءة ، وكذا سائر التطوعات ، رفعت امرأة صبيّاً وقالت : يا رسول الله ألهذا حج؟ قال : « نعم ولك أجر » كما فى مسلم ، والعبادات من الطفل تصح كالصلاة والصوم والحج والقراءة ، وله ثوابها لا لأبيه أو غيره ، إلا أجر التعليم له فيها ، والأمر له بها ، ولا تجزى عن فرض إذا لزمه بعد البلوغ ، ولو أعطى زكاة ماله لأجزت ان عقل ونوى ، وقال أبو حنيفة ، لا ثواب له ، ويرده الحديث .