الإسلام والتيارات الاقتصادية المعاصرة عبد الله بن محمد بن عبد الله كنطابلي

الإسلام والتيارات الاقتصادية المعاصرة لعبد الله كنطابلي

الجزء ١ · صفحة ١٩

إن إعلان أن المادية التأريخية مطلقة ، على عكس النظريات الأخرى التي هي طارئة و نسبية، زعم عريض يحتاج إلى دليل يدعمه، و هو ما عجزت عنه الماركسية و إلا تناقضت مع مبدئها التطوري الجدلي. فأعلنت على نقيض مبدئها أن قوانين المادية التأريخية مطلقة عامة حاسمة أبدية، و ليست مرحلة كغيرها من مراحل الفكر البشري. فلا ينالها تحوير و لا تطور و لا تغيير. فكان فهم ماركس هو الفهم البشري الأخير فلا يأتي من بعده من هو أعمق منه نظرا أو أحد حكيما، و المنطق السليم – و لو تبعا لماركس- يقتضي بأن المادية التأريخية هي نظرية كغيرها نشأت في ظروف معينة، فهي خاضعة للتطور على حسب الظروف التأريخية للبشر، لا نقطة نهائية تتوقف عندها كل معرفة و كل نظرية.

و زعم آخر لماركس يتمثل في حتمية الثورة التي جعلها قانونا عاما، مع أنه استخلصه من ظروف معينة محدودة في القانون العلمي العام الصارم. و هذه دعوى عريضة دون برهان، سوى ما شاهده ماركس من تفاقم الفارق بين المرفهين و المحرومين فقال بحتمية الثورة لإزالة ذلك التناقض، و مات ماركس و سارت الأمور في أوروبا عكس ما تنبأ. فظهر انكماش في الفوارق، و أصبح في الإمكان تحسين ظروف المحرومين بالوسائل السياسية و بالإصلاحات و بالضمانات…

و سار الماركسيون بعد زعيمهم في طريقين: طريق الإصلاح و التطوير السلمي في أوروبا الغربية المتقدمة المصنعة، و طريق الثورة الدموية في أوروبا الشرقية التي هي أقل تطورا. فهلل الماركسيون لتلك الثورة كحقيقة صحيحة ناسين أن ماركس قد أعلن حتمية الثورة في البلاد المصنعة المتقدمة لا في المتأخرة. هذا يأتي كدليل معاكس لما يزعمه الماركسيون و ناقض له بشكل صارخ.

هذا و لنذهب توا إلى دراسة المذهب الماركسي.

المذهب الماركسي:

١٩ / ٣٠