الإسلام والتيارات الاقتصادية المعاصرة عبد الله بن محمد بن عبد الله كنطابلي

الإسلام والتيارات الاقتصادية المعاصرة لعبد الله كنطابلي

الجزء ١ · صفحة ٣

ما تدعيه الرأسمالية من علمية في قوانينها ليس شيء، و إنما هي علمية في إطار مذهبي خاص، لوحظت في مجتمعات خاصة، و ليست علمية كما عليه قوانين الفيزياء و الكيمياء مثلا، فليست مطلقة تصلح لكل زمان و مكان و لكل مجتمع.

فقانون العرض و الطلب –مثلا- لا يعمل في إستقلال عن وعي الإنسان و إرادته كما تعمل القوانين الطبيعية.

و هذا لا يعني إستحالة قيام علم إقتصادي على الإطلاق، و إنما يجب أن نأخذ بعين الإعتبار إرادة الإنسان و مطامحه، و علاقات الأفراد المختلفة، و هي و إن كانت قوانين فليست صارمة كقوانين الفيزياء مثلا إذ لا تسلب الإنسان حريته و إرادته.

فمثلا: القانون الذي إستخلصه كلاسيكيون من وجود إنسان إقتصادي يؤمن بالمصلحة الشخصية كهدف أعلى على سبيل الإطلاق. هذا ليس دائما صحيحا، بل هو مستوحى من ظروف إجتماعية خاصة، إذ أن المجتمعات تختلف في العوامل التي تحدد دوافع السلوك فيها، تبعا للقيم العملية و الروحية في الحياة.

فالمجتمع الإنساني في نشوئه كان بعيدا كل البعد عن ذلك الطابع الرأسمالي، و قد أخرج إلى حيز الوجود مجتمعا إقتصاديا يقوم على أساس التكامل و العدالة الإجتماعية التي لم تعرف صراعا ماديا إقتصاديا، كما عرفته أوروبا من بعد، و قد سمت مبادئه بأفراده و جماعاته أيما سمو، و حققت عصرا ذهبيا لم تعرف الإنسانية له نظيرا، و إن كان للأسف قصير المدى.

فالإسلام لم يفرط و لم يفرط في اعتبار كل من الفرد و الجماعة، و لم يضح بأحدهما أو يذبه في الآخر كما فعلت كل من الرأسمالية و الشيوعية؛ بل راعى كلا من الجانبين: الفردي و المجتمعي أو الجماعي مراعاة تامة، فلم يخنق الحريات الفردية، و لم يطلقها تعبث بحياة الجماعة كما تشاء، بل جعلها عدلا وسطا (( و كذلك جعلناكم أمة وسطا))(سورة البقرة الآية 143) فكان من ذلك أروع النتائج التي أضحت مضرب المثل للإنسانية، بعيدة كل البعد عن أنانية الفرد أو أنانية الجماعة.

٣ / ٣٠