البناء الحضاري للإنسان لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٦أصيبت الأمة منذ أمد بعيد بتراكمات تأريخية خطيرة؛ انحرفت بها عن سواء الصراط من بعد عهد الرسالة والخلافة الراشدة، فحُكِّمت الأهواء في كثير من قضايا المسلمين، حتى صار الظلم مبرراً، وعدّ الميل إلى الظالمين ومساندتهم ومعاونتهم على باطلهم من صميم الإسلام، وهذا ما يرفضه الإسلام كل الرفض، فالله تبارك وتعالى يقول: ((وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ))(1) ، فمجرد الركون -وهو أدنى ميل من النفس- إلى الذين ظلموا يؤدّي بالإنسان إلى أن تصيبه النار، فكيف إذا قيل أن الظالم يجب شرعاً أن يطاع ويذعن له ما دامت ناصية الأمر بيده، وأن طاعته من طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأن كل من عارض ظلمه ووقف في سبيله خارج عن منهج الحق؟!.
إن هذه التراكمات من الانحراف الفكري الذي أصيبت به هذه الأمة بسبب ما أصاب السياسة من الانحراف بعد عهد الخلافة الراشدة؛ أدّت بها إلى الكثير من الاضطراب والضياع.
التمزق والخلاف
وعانت الأمة أيضاً من مشكلة الخلاف والتمزق؛ مع أن الله تبارك وتعالى فرض عليها أن تكون أمة متحدة مترابطة، ومتناصرة متآزرة، يشد بعضها أزر بعض، ولذلك جمع الله تبارك وتعالى بين إفراده بالعبادة وبين وحدة هذه الأمة، ومعنى ذلك أن اتحاد الأمة قرين توحيد الله سبحانه، وذلك واضح في قوله سبحانه وتعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ))(2) .