البناء الحضاري للإنسان لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٩كان الرسول صلى الله عليه وسلم يربي الأمة على الاستقلال في الفكر والسلوك والأخلاق والمعاملات، حتى أنه كان يحرص كل الحرص على أن لا تتأثر بغيرها، بل ربما ترك أمراً كان من قبل سنة متبعة عنده صلوات الله وسلامه عليه إلى أمر مخالف له؛ حذراً من أن تتأثر الأمة بغيرها من الأمم، فقد كان عليه الصلاة والسلام عندما يحضر دفن ميت يقف، وكان أصحابه يعملون بذلك، حتى مر بهم حبر من أحبار اليهود فقال: هكذا نصنع. فجلس النبي صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه أن يجلسوا وقال: (خالفوهم، خالفوهم)(1) ، وذلك حتى لا تتأثر هذه الأمة.
ونجد كثيراً من التوجيهات النبوية فيها الأمر بمخالفة الكفرة، فكثيراً ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (خالفوا المشركين) أو (خالفوا اليهود) أو (خالفوا اليهود والنصارى) أو (خالفوا المجوس) فكان يأمر بمخالفتهم لئلا تتأثر الأمة بمناهجهم.
وقد وقعت الأمة في هذا التأثر وانساقت وراءه واندفعت إليه اندفاعاً لا يقف عند حدّ، حتى أصبحت أمة هزيلة، بلغ بها الحال أنها صارت تفاخر بأن تكون تابعة لأولئك، تسير على منهجهم حتى في رذائل الأمور، وأصبحت عندما تعرض قضايا معاصرة تفاخر بأنها أخذت من النهج الغربي، وأصبحت ثقافتها ثقافة رقص وموسيقى وخلاعة وتعرٍّ وتجرد من الأخلاق والفضائل، ذلك لأجل اتّباع الآخرين؛ مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع؛ حتى أنهم لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)(2) .
وحرص أعداء الإسلام على أن يصرفوا هذه الأمة عن الأخذ بأسباب القوة والعز والكرامة والتقدم في مجالات الحياة، فأصبحت تقنع بالقشور الزائفة والمفاسد والانحطاط بدلاً أن تأخذ بأسباب القوة، وصارت في مؤخرة الأمم لا يسمح لها أن تتقدم، بل يفرض عليها أن تكون تابعة ذليلة دائماً.