حركة التدبر: ما لها وما عليها مصطفى بن محمد شريفي

حركة التدبر ما لها وما عليها لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٦

ثالثا - المجتمع مكي : إنَّ طريقة التدبر في الرحلات (من حيث مضمونها) يوحي بالتعامل مع مجتمعنا على أساس تشبيهه بالمجتمع المكِّيِّ (حيث الوثنية ضاربة أطنابها ، والشرك مسيطر على الأذهان…) بينما مجتمعنا أشبه ما يكون بالمجتمع المدني ، حيث الدولة الإسلاميَّة ، وكان حينها الاهتمام منصبًّا على كل الجوانب على حدٍّ سواء : العقيدة والمعاملات (الاقتصادية ، والأسرية والاجتماعية والسياسية…)

رابعا - التقليص من دور القرآن ، والاقتصار على الآيات الكونية (النِّعم ، وعظمة الله في الكون…) بينما القرآن دين ودنيا ، عبادة وسياسة واقتصاد وتربية واجتماع… وتولَّد عن العنصرين الأخيرين ما يأتي :

- التطرُّف في جانب على حساب جوانب أخرى ، لعدم فقه للأولويات ، ودون توازن ولا وسطية(1) في التفكير ، فربما قدَّم المتدبر ما من شأنه التأخير ، أو أخر ما من شأنه التقديم، أو تطرَّف في جانب على حساب جانب آخر.

قال الشاطبي : «فإذا نظرت في كُلِّيَّة الشريعة ، فتأمَّلها تجدْها حاملة عَلَى التوسُّط ، فإن رأيت ميلا إِلىَ جهة طرف من الأطراف فَذَلِكَ في مقابلة واقع أو متوقَّع في الطرف الآخر.

فطرف التشديد ـ وعامَّة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر ـ يؤتى به في مقابلة من غلب عَلَيْهِ الانحلال في الدين.

وطرف التخفيف ـ وعامَّة ما يكون في الترجية والترغيب والترخيص ـ يؤتى به في مقابلة من غلب عَلَيْهِ الحرج في التشديد.

فإذا لم يكن هَذَا ولا ذاك رأيت التوسُّط لائحا ، ومسلك الاعتدال واضحا ، وهو الأصل الذي يُرجع إِلَيْهِ ، والمعقل الذي يُلجأ إِلَيْهِ»(2) .

(1) … حول الوسطيَّة ينظر : الشاطبي : الموافقات ، 2/124-128.

(2) … الموافقات ، 2/128.

٦ / ٨