سلسلة توجيهات فكرية وتربوية واجتماعية وفقهية (2): القمع الفكري بين المدارس الإسلامية، أسباب وآثار بدر بن سالم بن حمدان العبري

سلسلة توجيهات فكرية وتربوية واجتماعية وفقهية لبدر العبري 2 - القمع الفكري بين المدارس الإسلامية أسباب وآثار

الجزء ١ · صفحة ٢٤

من هنا نلاحظ أنّ البعد السياسي البشري القائم على المقولة المأثورة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنتم أعلم بأمور دنياكم "، تحولت مع مرور الزمن إلى بعد ديني إلاهي، نسجت حولها الآثار، ولويت من أجل هذه الآثار آيات الكتاب العزيز، كقوله - تعالى -: "إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ "(1)، قالوا: "الذين آمنوا" المقصود به علي بن أبي طالب، وذلك حتى يتوافق مع رواية البيعة لعلي بن أبي طالب.

المدرسة الثانية:

يمكن أن نعتبر أن هذه المدرسة هي من أقلّ المدارس اعتمادا على الرواية، خاصة في بداية نشأتها، وما كثر في كتبهم من روايات في فترة لاحقة كان بسبب انبهارهم من مدرسة أهل الحديث، فنقلوا الغث والسمين من مروياتهم، وعلى العموم هذه المدرسة لا تجد فيها الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهم نوعا ما سلموا من قضية المرويات خاصة فيما يتعلق بالجانب العقدي والفكري.

ومع ذلك كان لتعصبهم لأهل النهروان أثر في ميل بعضهم إلى إعلان البراءة من علي بن أبي طالب، مع أنّ الأكثر توقفوا عن الفتنة، وعليه استقر أنصار المذهب، وذلك وقوفا عند قوله – تعالى -: " وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً "(2)، وقوله – تعالى –": "تلك أمّة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عمّا كانوا يعملون"(3)، ونزولا عند قول الخليفة عمر بن عبد العزيز: "تلك أجسام طهّر الله منها سيوفنا، فلنطهر منها ألسنتنا".

(1) المائدة / 55.

(2) الإسراء / 36.

(3) البقرة / 134.

٢٤ / ٣٧