كذبة إبريل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

كذبة إبريل

الجزء ١ · صفحة ٢١

…ثانيها: أن الغربيين لم يدخروا وسعا في مسابقة الزمن تحصيلا للعلم وتنسيقا للجهد واستجماعا للخبرة فآخرهم يشيد على ما أسسه أولهم و لاحقهم يسير على خطى سابقهم في انتظام وانسجام وبحيث أن الفرد يتحرك في إطار المجتمع والمجتمع يعمل كأنه فرد في استجماع فكره وضبط خطواته وتنسيق رؤاه فلا يتشتت جهد ولا يضيع عمل تحكمهم جميعا وحدة الأهداف والغايات فلا يفرط أحدهم فيما أنجزه غيره وإنما جهودهم موزعة بينهم بضبط وإحكام وتجاربهم محصاة محكمة ودراساتهم مجموعة منسقة فتمكنوا بذلك كله من التغلغل في أعماق الطبيعة وتفجير طاقاتها واستخراج مكنوناتها وإحصاء خيراتها فغاصوا في أعماق البحر وطاروا في أبعاد الفضاء وسبروا أصول الكائنات فسخروا كل ما أمكنهم لتحقيق مرامهم وإنجاز مهامهم، وبهذا دفعوا مركبة الحضارة إلى الأمام متحكمين في سيرها ممتنين على من رضوا بحملة عليها، فهلا عنى أولئك المبهورون بهم بمنافستهم في هذا الجانب ومزاحمتهم في هذا الشوط بدلا من مزاحمتهم على الرذائل والسقطات ككذبة إبريل وما أخذوه منهم من صبغ الحياة بصبغة الفساد والانحلال، أو أنهم شقت عليهم معالي الأمور فاقتنعوا بسفاسفها وخيل إليهم أنهم بالحرص عليها بلغوا أوج الحضارة وامتطوا صهوة الأمجاد، أو أنهم ظنوا أن هذه السفاسف هي مدارج التقدم ومعارج الرقي فلا يوصل إلى درك تلكم الغايات النبيلة وتحقيق تلكم الطموحات الفائقة إلا من طريقها.

… لقد كان حريا بهم وهم ينتسبون إلى أمة القرآن أن لا يرضوا لأنفسهم الدون وألا يقنعوا إلا بالوصول إلى أسمى هدف وأبعد غاية فلو أنهم شمروا عن ساعد الجد وعرفوا كيف ينفذون إلى المسببات من أسبابها ويسعون إلى الغايات بوسائلها ويعرجون إلى المعالي بمراقيها لكانوا هم سادة الموقف وبناة الحضارة ورواد العلوم.

٢١ / ٤٠