كذبة إبريل
الجزء ١ · صفحة ٣…وإنما كانت عثرات اللسان مصدر شقاء ومناط السوء، ومجامع الفساد وسبب الهلكة لأن كبائر القول هي التي تبعث على كبائر العمل، فإنها تؤودي إلى حجب الحقيقة، وتزين مقاومة الحق وفي مقدمتها الكذب الذي لا يتورع من ابتلي به عن سوء، ولا عن رذيلة، ولذلك توعد الله المنافقين على كذبهم حيث قال" ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون " وهذا على قراءة عاصم وحمزة والكسائي بفتح الياء وإسكان الكاف وتخفيف الذال، وكفى به شاهدا على خسة الكذب ودناءته، ونذالة الكذاب وسوء حاله، ورادعا لمنه كان له قلب عن الاتصاف بالكذب أو الرضا به .
…ومن المعلوم أن أولئك المنافقين كانوا ينطوون على عقائد الكفر في سريرتهم وهي أقبح ما تلبس به الإنسان، فلذلك تسائل بعض المفسرين لماذا توعد على الكذب ولم يتوعد على الكفر مع أنه أفظع وأخطر؟ وأجاب عن هذا الأستاذ الإمام محمد عبده بقوله : "إن الكفر داخل في هذا الكذب، وإنما اختير لفظ الكذب في التعبير للتحذير منه وبيان فظاعته وعظم جرمه ولبيان أن الكفر من مشتملا ته وينتهي إليه في غاياته، ولذلك حذر القرآن منه أشد التحذير وتوعد عليه أسوأ الوعيد، وما فشا الكذب في قوم إلا فشت فيهم كل جريمة وكبيرة، لأنه ينشأ من دناءة النفس وضعف الحياء والمروءة، ومن كان كذلك لا يترك قبيحا إلا بالعجز عنه – نعوذ بالله من عمله ومنه – " أهـ .
…والنفس البشرية تدرك بفطرتها قبح الكذب ونذالته وخسة الكذب ودناءته، ولذلك ستحيي كل من كان سوي الفطرة أن تسجل عليه كذبة في قوله، وقد كان هذا شأن العرب في جاهليتهم مع ضلال معتقدهم وسوء أعمالهم، فقد كان الكذب عندهم عارا يتقونه لما يترتب عليه من سوء الأحدوثة مع أنهم ما كانوا يخشون وعيدا عليه ولا يرجون وعدا على ضده، ولربما كانت حمية أحدهم تلح عليه أن يفتري الكذب فتأبى ذلك نفسه أنفة وكبرا واتقاء أن يسجل ذلك عليه فيكون عليه عارا وخزيا يأثرهما عنه من تحدث عنه في حياته أو بعد مماته.