شفاء القلوب من داء الكروب ج1 لخميس العبري
الجزء ١ · صفحة ١٤٧وأما الرجال فأخبرك بقصة أحدهم الذي هو في ظاهر الأمر من أهل العقل، رأى في منامه كأنه جالس في يوم القيامة، وأعطي كتابه بشماله فقرأه، فلم يجد فيه حسنة مقبولة، فغلغل بالسلاسل وسحبوه الزبانية إلى جهنم، فرموه في قعرها، فنهض من نومه مرعوباً، وتاب إلى الله تعالى، وأقر بأن جميع ما عنده من الأموال هي حرام، وسبب ذلك رشاه إياه رجل لينكحه، ثم تزوج معه ابنته فنمّى المال والأولاد، وعمّر البيوت والمساجد، وأقام المدارس، وأكرم الضيف وابن السبيل، ثم سأل العلماء عن أمر دينه، فأوجبوا عليه رد ما أخذه وما نمّى، والمرأة التي هي ابنة المنكوح هي حرام عليه لا تحل له، فقصد التائب إلى المتهم ليعطيه المال، فقال له: طب نفساً، وقر عيناً، والمال هو حلال لك، لا تسمع قول البلساء، ورؤياك هي أضغاث أحلام، ولا تخرج زوجتك من بيتك، ولا تيتم أولادك، ثم ضحك التائب، ومد الرجل يده إلى إحليل التائب فتحرك وفعل به كما يفعل به سابقاً، وأقام على جهله، وقيامه لضيفه، وعبادة ربه في مسجده، ثم أرسل الله إلى تلك البلدة سيلاً شديداً قمات من مات، وبقي من بقي، وبعد ذلك جاء إلى تلك القرية أمير ظالم غشوم فأخذ الرجل وسجنه وأخذ أمواله ومات في السجن وبكوا أصحابه ورثوه الشعراء بالنظم، فقال رجل: أما علمتم بقصة الرجل الذي أخبركم برؤياه وتاب إلى مولاه ثم كفر بعد ذلك بنعمة الله، أوما سمعتم قول الله تعالى قال: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ)(1) فقلت له: وبلدكم فيها اختلاف أم أمرهم شورى؟، قال: فيها الاضطلاف، ولا يرجى منهم ائتلاف، لأن الكبراء فيها تركوا الصلاة والصيام والأمر والنهي وعملوا بالهوى والخنا والفحشاء والمنكر وصنعوا أصوات المزمار في الأموال والقصور وتركوا عمارة المساجد فانهدمت وبعض منها سكنت وجعل فيها الدروس والأكانيف، وسلط الله أميراً أسوداً أفطس
(1) 1 – الأعراف : 182 - 183