شفاء القلوب من داء الكروب ج1 لخميس العبري
الجزء ١ · صفحة ١٦٢بيان : وذلك في مذهبنا أن الشريعة على قسمين : قسم هو دين ولا يجوز فيه الاختلاف ، وقسم هو رأي يؤول أمره إلى نظر العلماء فيه وهو الذي يجوز فيه اختلاف، ولا يجوز أن يخطئ أحد فيه أحدا قال بخلاف قوله ما لم يدن به لأنه لا يجوز أن ندين بالرأي ولا أن يجيز الرأي في موضع الدين، والدين هو ما ألزمنا الله تعالى إياه فرضاً واجباً بنص الذكر الحكيم ولم يجعل لنا عذر في خلافه وتوعدنا بالعقاب في الآخرة على خلافه من ترك ٍ أو فعلٍ أو اعتقادٍ، وما ألزمنا إياه كذلك النبي فرضاً واجباً ولم يجز لنا فيه خلافه وما قامت على لزومه حجة العقل مثلاً إن الله تعالى أمرنا بالإحسان للوالدين، ونهانا عن أذاهما وإساءتهما فقال (فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا)(1) فصح في حرمة ضربهما بالعصا أو عقهما بالحصى أشد حرمة لأنهما أكثر أذى وأشد إساءة وهذه الثلاثة هي أصول الدين الذي لا يجوز فيها الرأي أي القول بالاختلاف، والأصل الرابع إجماع العلماء المحقين إذا اجتمعوا على تحليل أو تحريم شيء هو شبيه بأصل من هذه الأصول الثلاثة وألحقوا حكمه بشبهه، ولا يجوز لهم أن يجمعوا على تحريم شيء هو أشبه بالأصل حلال من دين ولا على تحليل شيء هو أشبه بأصل محرم من دين فهذه الأربعة هي الدين وهي الأصول وكل قضية لم يأت القرآن حكمها ولا النبي، وأشبهت أصلين من أصول الدين أحدهما ما يدل على تحليله والآخر ما يدل على تحريمه جاز فيه الاختلاف وكان الحكم فيها من الرأي ، وكل قضية جاء القرآن ذكرها أو في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن دلت الأصول في قياس هذه القضية بها على تشابه أصلين مختلفين كذلك جاز اختلاف فيها، وكانت من الفروع، وكذلك كل آية احتملت التأويل على شيئين مختلفين من الأحكام رجع بهما إلى السنة فإن وجد لكل معنى من التأويل أصل يصححه من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - جاز الاختلاف
(1) 1 – الإسراء : 23