شفاء القلوب من داء الكروب ج1 لخميس العبري
الجزء ١ · صفحة ٢٠٦بيان: ثم لم يزل الخلاف يتكاثر باختلاف نقل الروايات بين المذاهب حتى صار في كل شيء من أمر الدين، والمراد بالخلاف في الدين هو الذي لا يجوز فيه الاختلاف، لأن الخلاف في الفرق من الرأي يجوز فيه الاختلاف كما ذكرنا لأن اختلاف المسلمين في الرأي رحمة أي توسع بالأعمال، واختلافهم في الدين نقمة لأن مخالفة الحق في مذهبنا لا يجوز بغير عذر على حال، ولعل كل فرقة تناقض نقلها الفرق الأخرى، وكل فرقة احتجت على غيرها من الفرق بما يظن أنه قد غلب بما أورده من الجج جميع الفرق الإسلامية، فإذا نظر ناظر إلى تلك الحجج رأى أنه هو الغالب وهو المحق ولكن لو نظر إلى تلك الحجج المحجوج بها أيضاً لاستطاع أن يأتي ما يتصور إلى نفس ذلك النظر إلى حججه أنه هو الغالب، ولا يزال كذلك الأمر بينهما إلى أن يعجز أحدهما فيقر بالعجز ولكن يعتقد أنه لو حاج علماؤه الأولين لأعجزوه أو يجادل مكابراً، ومثلاً لذلك أنه إذا نظر أحد من الفرق إلى ما قلته هنا استطاع أن يأتي بحجج في غير حضرتي ما يتخيل للناظر إليها أنه قد حجّني، ولكن لو نظرت حججه لاستطعت أن أنقض حججه حتى يتخيل للناظر إلى حججي أني قد غلبته ويدور الأمر كذلك بيننا، وكل أهل مذهب أتوا بالحجج على إدحاض مذهب وإبطاله فلا يرى تلك الحجج نوراً إلا أهل مذهبه، وأما أهل المذهب الذي هو يحتج عليه فلا يتصور في نفسه ذلك نور، وإنما يراه إثماً وظلمة وظلماً، وبكثرة الحجج التي يأتيها حتى يظن أن الصبي ينظر حقها، ونعم فإن من الصبيان من أهل مذهبه قد يتصور نور تلك الحجج، وأما أهل المذهب الذي يحاجه فلا يرى كثرتها إلا ظلمة يتراكم بعضها فوق بعض، وليس المراد رسم هذه السيرة الاحتجاج على المذاهب فيما يخالفنا فيه كما ذكرنا لإظهار الحق أنه معنا وإبطال ما عندهم من ذلك، ولذلك لم نأت بكثرة الحجج في بيان ما اختلفنا فيها، وإنما أوردنا مقدار ما يعرف هؤلاء السائلون الأمور التي اختلفنا فيها واكتفينا ببعض البعض