شفاء القلوب من داء الكروب ج1 لخميس العبري
الجزء ١ · صفحة ٣٩١اعلموا أيها الناس أن الدنيا دار غرور، ومكر وفجور، دار الفجائع والألم، دار المصائب والسقم، دار تقلب وأهوال، وأدوار وأحوال، دار أضغاث أحلام في طيب المنام، فإلى كم هذا الأمل الذي لا انتهاء له، والألم الذي لا شفاء له، والعمل الذي لا إخلاص فيه، والعلم الذي لا منفعة تليه، أإله غير العزيز الأكبر، أو دين غير دين النبي المطهر، أم جراءة على الحي القيوم، أم أمن من العذاب السموم، أم تحسبون أن الدنيا لكم تدوم، ألا أخبركم عن أمر تعاينوه، لا عن شيء تخبروا به وتسمعوه، شيب وهرم، وصحة وسقم، ووجود وعدم، وعافية وألم، ونور وظلم، وحسرة وندم، حال المنون واصلة وليس لها صارم، ويده حاسمة وليس لها حاسم، كم قطعت قبلكم من أمم، وأفرست بغصصها من ملك مكرم، أين ذو البؤس والنعم، وعاد وإرم، أين الملوك، أين أبناء الملوك والأقاصرة، والأكاسرة والجبابرة، أين أهل الوفاء والسداد، والذين لم يخلفوا الميعاد، أين الذين سولت لهم نفوسهم وأضلتهم عن طريق الرشاد، ولم يتخذوا من دنياكم هذه زاد، أين ثمود وعاد، ونمرود معدن الفساد، أين فرعون ذو الأوتاد، وبنو نبهان الذين استكبروا في البلاد، أين الذين عمروا جناتهم، وشيدوا بنيانهم، أين الذين حوزو ذخائرهم، وملكوا عبيدهم وحرائرهم، أين الآباء والأجداد، أين النساء والأولاد، أين الأحبة والعباد، أين العلماء والزهاد، أين الذين ركبوا الجياد، قبضتهم المنون، وفقدتهم العيون، كأنهم ما كانوا أهل عز ورفعة، ولا أهل مملكة ومنعة، أمسوا تحت أطباق اللحود، حتى تمزقت منهم الجلود، وصاروا معاشاً للدود، حتى أصبحوا أجداثاً دارسات، وأمست منازلهم تسفي عليهم الرياح الذاريات، قد فارقوا الأخوان والأصحاب، وثووا تحت أطباق التراب، قد صار ذكرهم مؤثراً في الكتاب، وعبراً لأولي الألباب، ومواعظاً للعلماء والخطاب، فندموا هنالك من حيث لا تنفع الندامة والبكاء، ولا تغفر الزلل والأخطاء، فأما فائز بنعيم مقيم، وأما رهين في