شفاء القلوب من داء الكروب ج1 لخميس العبري
الجزء ١ · صفحة ٣٩٥ومن التوبيخ: يا سفيه الرأي، أما تستحي من قلة الحياء، وطول الجفاء، بمن أجزل العطاء، وأحسن البلاء، وسئل اليسير فأعطى الكثير، ووعد الجزيل على العمل القليل، وستر العيوب، وغفر الذنوب، وصفح بحلمه، وجاد بكرمه، أما يراقب من لا يغيب عنه إذا استترت، ولا يخفى عليه ما عملت، وأحصى عليك ما قدمت وأخرت، وأسررت وأعلنت، واطلع على ما هممت ونويت، أما آن لك أن تتوب، أما آن لك أن تراجع وتنوب، أما آن لك أن تستحي وتنتهي، وتفطم نفسك عما تشتهي، وتقصر عن مساويك وترعوي، أما سأمت من الخطايا، وأنت عرض للمنايا، صرت في الدنيا وجيها حتى شغلت قلبك بذكرها، وركنت إليها كأنك مخلد فيها، فعظمت في صدرك، وأسرعت الإجابة إذا دعتك دواعيها، فلا تجد في الآخرة في قلبك مكانا، ولا لذكرها في صدرك قرارا، مالك يا مفتون بالدنيا التي ليست لك بدار، ولا لك فيها قرار، ما الدنيا إلا فيء زائل، أو حلم باطل، أو سراب لامع، أو برق ساطع، أليست كانت صاحبة أخيك وأبيك وأعمامك وذويك، هلا اعتبرت بما صنعت بهم فأبغضتها من أجلهم، ما أقل عبرك، وأعجز حفيظتك، وأسوأ نظرك لنفسك، يا عزيز الثمن لا تبع نفسك بالثمن الخسيس، وأعطيت فيها الثمن الربيح، أترضى بالنار عوضاً عن الجنة، ولا بالدنيا عوضاً من الآخرة، ولا بالخبيث عوضاً من الطيب، ولا بالزائل الفاني عوضاً من الدائم الباقي، ولا باليسير من الحقير عوضاً من النعيم الكثير، ضيعت أكثر عمرك، وقد طال ما أوقرت على ظهرك، فانتبه من رقدتك، واستيقظ من وسنتك، وافزع إلى التوبة قبل أن تؤخذ على الغرة، يا رهين الخطيئة، وأسير الهوى، وعرض الردى، وضجيع الأماني، مالك إن تذكر الموت فتفزع، وتذكر الحساب فتخشع، وتذكر النار فتصدع، حتى أنت في مؤنة الدنيا وعمارتها، وابتذال نفسك في صبابتها، لا بد لك من مال مجموع، وبناء مرفوع، وسرير موضوع، وملبس سَني، ومركب وطي، ومطعم شهي، ومنظر بهي، وفناء مشهور موفور، وشراب مروق، ووصف مقرطق، فتصدق