شفاء القلوب من داء الكروب خميس بن راشد بن خميس العبري أبو ماجد، المشهور بـ "ذي الغبراء"

شفاء القلوب من داء الكروب ج1 لخميس العبري

الجزء ١ · صفحة ٣٩٦

مقالتها، وتزكي شهادتها، وتفضح مبانيها، وتسر أجانيها، ألا وعظتها، ألا رحمتها، ألا زجرتها، ألا ذكرتها الموت، ألا خوفتها الفوت، ألا عرضتها على القرآن، وكامعتها إلى الإيمان، ألا حذرتها شفير القبر، وأريتها ما قدر لها من الذعر، وما عملت لها فيما مضى من العمر، ثم نظرت إلى جهازك الذي عملت به، وعملك الذي تقدم عليه، وإلى ما غرست فيه الضريع والزقوم، وأجريت فيه أنهار الصديد واليحموم، وأزرعت فيه الحسرة والندامة، والخيبة والكآبة، أترضى من دارك المعارة المرتجعة عن قريب، وقال شعراً:

تلين الجبال وقلبي حديد … كأني على النار جلد جليد

فيا حسرتا عند وقت الحساب … إذا قالت النار هل من مزيد

…

فقلنا له: بأي معرفة بلغك الله هذه الدرجة؟، فقال: بمجاهدة النفس والجوع والعطش وذكر الموت والحساب والعقاب والنار وما فيها من العذاب والأغلال والنكال، ثم ألهمت نفسي ذكر الجنة وما فيها من النعيم والحور العين فاجتهدت في الصيام بالنهار والقيام بالليل وأخذت العزلة وواليت أولياء الله ورسوله وعاديت أعداء الله ورسوله، ثم روضت نفسي ستة أشهر فلما تمت رياضتي أملكت نفسي بحول الله وقوته وهذا لكما بياناً إن أردتما الدخول في الزهد فروضوا قلوبكما فيه أربعين يوماً ثم انقلاه إلى الخوف أربعين يوماً ثم شوقا نفوسكما إلى الجنة أربعين يوما ثم الحب في الله أربعين يوماً فإن خلصت النية لله أخضع الله له الملائكة والإنس والجن أجمعين لأن الزهد والخوف كالكوكب المضيء على النجوم والشوق إلى الجنة كالبدر الطالع على النجوم والمحبة في الله كالشمس المضيئة ولا يكون الإنسان زاهداً حتى يكون عابداً ولا يكون عابداً حتى يكون ورعاً ولا يكون ورعاً حتى يكون عالماً ، وعليكما في الاجتهاد والانتباه كما قال الشاعر:

ألا فانتبه يا نائماً واهجر الكرى … ألا فانتبه يا ساهياً وتذكرا

…

ألا فانتبه يا غافلاً وتفكرا … فهل ترى حياً في الزمان معمرا

٣٩٦ / ٩٠٦