معالم للزمن القادم خالد بن مبارك الوهيبي

معالم للزمن القادم لخالد الوهيبي

الجزء ١ · صفحة ١٠٠

وكأن ابن خلدون بهذا المنهج القائم على النقد الداخلي لمتن الرواية التاريخية يستدرك على ابن جرير الطبري الذي صرح في مقدمة تأريخه بأن (أخبار الماضين وما هو كائن من أبناء المحدثين غير واصل إلى من لم يشاهدهم ولم يدرك زمانهم إلا بأخبار المخبرين ونقل الناقلين دون الاستخراج بالعقل والاستنباط بفكر النفوس)(1) ، فالطبري يعلنها صريحة بأن لا مجال لإعمال العقل في نقد الرواية التاريخية بناء على تحكيم أصول العادة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، وإنما يكفي الثقة بالناقلين أو النظر إليهم بناء على منهج الرواية الحديثية على أحسن الأحوال.

وهذا المنهج قاصر من عدة أوجه:

1-أنه يبتر الرواية التاريخية عن ملابساتها وموقعها من تركيبة الأحداث ، وهذا البتر يفقدها صيرورتها الزمانية وإحداثياتها المكانية، وهذا هو ما عبر عنه ابن خلدون بـ(أصول العادة وطبيعة العمران).

2-أنه يغفل الصراعات السياسية والمذهبية التي جعلت من الرواية التاريخية مطية لتحقيق النصر الإعلامي، وأثر ذلك لا ينكره أحد، والمعروف أن المنتصر هو دائماً من يكتب التاريخ.

3-ونحن نتساءل هل سلمت الرواية الحديثية من تلفيق الأسانيد واختراعها؟!!، وبالطبع الأمر أيسر بكثير في الرواية التاريخية، فمن فرق تتصارع، ومذاهب تتقارع، وسلطة ومعارضة، وأهواء وبدع، كلها أجواء خصبة (للتنصيص السياسي) الذي يمكنك ضبط الكثيرين وهم في حالة التلبس به في كتب التاريخ، بل حتى كتب الحديث، وعليه فإن تمحيص الرواية التاريخية (إنما هو بمعرفة طبائع العمران، وهو أحسن الوجوه وأوثقها في تمحيص الأخبار، وتمييز صدقها من كذبها وهو سابق على التمحيص بتعديل الرواة، ولا يرجع إلى تعديل الرواية حتى يعلم أن ذلك الخبر في نفسه ممكن أو ممتنع)(2) .

(1) تاريخ الطبري (1/13)، محمد بن جرير، دار الكتب العلمية.

(2) مقدمة ابن خلدون ص43 .

١٠٠ / ١٠٦