معالم للزمن القادم خالد بن مبارك الوهيبي

معالم للزمن القادم لخالد الوهيبي

الجزء ١ · صفحة ٩٩

… إن المنهج الذي طرحه ابن خلدون لتفسير حركة التاريخ وكيفية التعامل مع الروايات التاريخية وربط ذلك (بمعرفة طبائع العمران، وهو أحسن الوجوه وأوثقها في تمحيص الأخبار) مفترق الطرق بين مرحلتين في التاريخ الإسلامي، بل في التاريخ الإنساني وهما:

? عصر ما قبل ابن خلدون.

? عصر ما بعد ابن خلدون(1) .

وهذه النظريات جعلت من مقدمة ابن خلدون (بلا مراء أعظم عمل من نوعه ابتدعه عقل في أي مكان أو زمان)(2) .

ابن خلدون والتأريخ

إن علم التاريخ هو في ظاهره (لا يزيد على أخبار الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول، تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذ أغصها الاحتفال، وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال)(3) ، وفي باطنه (نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق)(4) .

إن هذين التعريفين اللذين ساقهما ابن خلدون في المقدمة يجملان منهجه الشمولي الكلي في النظر التاريخي، إنه لا يجعل منه مجرد منهج جمعي أثري، بل ينتقل به من ظاهره إلى باطنه الذي هو التحقيق والمقارنة لأحداث التاريخ.

… ولذلك كان من ابن خلدون نقد لمنهج كثير من المؤرخين الذين سبقوه، والذين اهتموا بعملية الجمع التاريخي دون (تحكيم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني)(5) .

(1) المرجع السابق ص110.

(2) المرجع السابق ص111، نقلاً عن أرنولد توينبي، مقال بمجلة عالم الفكر، المجلد الخامس، العدد الأول الكويت.

(3) مقدمة ابن خلدون ص10، عبد الرحمن بن خلدون، ط دار الكتاب العربي.

(4) المرجع السابق ص10.

(5) المرجع السابق ص16.

٩٩ / ١٠٦