معالم للزمن القادم خالد بن مبارك الوهيبي

معالم للزمن القادم لخالد الوهيبي

الجزء ١ · صفحة ١٠٢

… والجواب: هو أن إعلان ابن خلدون ذلك يمثل تمرداً على منظومة أهل الحديث والأثر، والذين تضخم النص النهائي للسنة عندهم، وأعلنوا إعلاناً شبه نهائي عن اكتمال المنظومة نقداً وتمحيصاً باستخدام آليات مصطلح الحديث.

… كان من المنتظر من مثل ابن خلدون بمنهجيته التاريخية الراقية أن يعي إشكالية النص الحديثي المدون وبالذات الأخباري منه، إذا أن هذا النص (البالغ الضخامة والتنوع والطول قد تم تدوينه عبر مراحل زمنية ممتدة ومتطاولة، وأنه شهد على مدى هذه المراحل كافة ضروب الصراع بين الدول والفرق والمذاهب، فتم تدوينه على صهد لهيبها، فخرج مصبوغاً بصبغات متعددة، تعدد الأيدي التي كتبته، وبالطبع فقد كان الشق السياسي من هذا النص، هو الأقرب إلى جوف اللهيب، ومن ثم الأكثر اصطلاء به، الأمر الذي يعني استحالة فهمه أو فك رموزه، بل والتثبت من ثبوته إلا على ضوء التاريخ)(1) .

… إن ابن خلدون لم يرد الصدام مع منظومته الفكرية، لكنه لم يطق صبراً عندما وجد أن بعض هذه الروايات الأخبارية تصطدم اصطداماً مباشراً مع نظريته التي أصلها في المقدمة وهي نظرية العصبية، فحاول دراستها وتفريغها من مضمونها المستقر في الأذهان كما فعل مع أحاديث القرشية ، وأنكر البعض الآخر كما فعل مع أحاديث المهدي المنتظر.

… وهذا المنهج الخلدوني يجرنا إلى تساؤل: هل الشروط الخمسة التي وضعها المحدثون للحكم على الرواية الحديثية بالصحة من اتصال السند وعدالة الرواة وضبطهم والسلامة من الشذوذ والعلة كافية للحكم على الرواية الحديثية ذات الطابع التاريخي الأخباري؟!.

(1) السلطة في الإسلام ص326-327، عبد الجواد ياسين، ط المركز الثقافي العربي.

١٠٢ / ١٠٦