معالم للزمن القادم لخالد الوهيبي
الجزء ١ · صفحة ١٥إن الاختلاف في وجهات النظر حتمية تفرضها طبيعة الكون والأشخاص والبيئة واللغة ﴿ لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ﴾ هود 119، وهذا التباين في المدارك والاختلاف في المشارب والتعاكس في الاتجاه هو سبب تعدد مذاهب الناس في الأمر الواحد، وكثيراً ما تتأصل الحمية في نفوس الجماهير فلا تلبث مع استمرار الوقت وعوامل الزمن أن تتحول إلى عقيدة راسخة مستحكمة في العقل والوجدان مستعصية على الدليل والبرهان، لا تتزعزع لمحرك ولا تنقاد لداع، والأدهى من ذلك أن تجعل أقوال أئمة الفرق والأحزاب أصولاً تطوع لها الأدلة والحجج لتأييدها حتى لو كان في ذلك كسراً لأعناق النصوص وجراً لها من تلابيبها.
( إن آراء الأئمة والعلماء ومواقفهم السياسية ما هي إلا جداول صغيرة تتفرع عن النبع الصافي الذي أراد خالق الإنسان أن تشرب البشرية منه في زمن الظمأ العقلي والوجداني على حياة الإنسان، وجاء بعدهم أناس شقوا لأنفسهم ترعاً من هذه الجداول، وأصبح كل واحد يدعي أن ترعته أنظف وأطهر من غيرها وعلى الناس أن يشربوا منها إن أرادوا الارتواء، وغفل هؤلاء أنه كلما زاد طول الترعة كلما زادت التعرجات فيها، وأن تغييراً كثيراً يمكن أن يحصل للمياه خلال هذا الجريان في هذه الترع التي شقتها معاول الإنسان)(1) .
(1) الإباضية في موكب التاريخ (1/161-162)، علي يحيى معمر، الطبعة الثانية مطابع النهضة.