معالم للزمن القادم خالد بن مبارك الوهيبي

معالم للزمن القادم لخالد الوهيبي

الجزء ١ · صفحة ١٩

2-الركود العقلي والجمود الفكري بسبب الخمول الذهني الذي سببته عقلية التقليد، وبهذا يصبح العقل جامداً غير قادر على استنباط الحلول للقضايا المتجددة ولا إمداد الحياة والواقع بالحلول الإسلامية المستمدة من أصفى ينابيع الحق، لأنه لم يمارس المران العقلي القائم على أصول صحيحة، بل حجر عليه مثل هذا المران فتنزل رتبته إلى الحضيض، فتضيع بذلك رؤيته الصحيحة للأمور ويصبح مهيئا لقبول الفاسد من الأفكار، وما موقف الذين عارضوا الباروني باشا(1)

(1) هو سليمان بن عبد الله بن يحيى الباروني، واحد من ألمع قادة الجهاد الإسلامي في ليبيا أيام الغزو الإيطالي ، وكان له دور كبير في توجيه سياستها خلال العقد الثاني من القرن العشرين.

ولد سليمان الباروني سنة 1287هـ/ 1870م في مدينة (جادو) من أعمال جبل نفوسة الواقع إلى الجنوب من مدينة طرابلس الغرب في ليبيا.

وعند بلوغه الثامنة عشرة من عمره، بعثه أبوه إلى تونس حيث تلقى العلوم العربية والشرعية في جامع الزيتونة على يد كبار علماء زمانه. ولبث في تونس خمس سنوات، بعدها ارتحل إلى مصر فدرس في الأزهر ثلاث سنوات، ثم غادرها إلى الجزائر، وبالتحديد إلى منطقة وادي ميزاب ليستكمل علومه على يد الإمام العلامة محمد بن يوسف اطفيش المعروف بقطب الأئمة.

عاد سليمان الباروني إلى وطنه عام 1898م، ومن هذا التأريخ بدأت محنته الشهيرة ، إذ سعى به الوشاة لدي الدولة العثمانية، فتم تفتيشه في طرابلس، وأوقف رهن التحقيق ثم حوكم، وحكم عليه بالسجن المؤبد، وهنا ثارت ثائرة الناس لما عرفوا من إخلاص الباروني وبراءته مما نسب إليه، وتسكيناً للخواطر أفرجت المحكمة عنه بكفالة.

ولكن المشكلة أثيرت مرة أخرى فألقى القبض عليه في عام 1900م وحكم عليه بالسجن خمس سنين، فقضى في السجن عاماً واحداً ثم خرج منه، وفي عام 1904م أسس في يفرن مدرسة أسماها المدرسة البارونية، وتولى الإشراف عليها والده الشيخ عبدالله الباروني، وأسس بجانب المدرسة مكتبة عامرة بشتى أنواع المخطوطات والكتب سماها المكتبة البارونية، ثم قذفت به المقادير إلى مصر، حيث أسس عام 1906م مطبعة أسماها ( مطبعة الأزهار البارونية ) تطبع شتى كتب التراث، وفي عام 1908م أصدر جريدته التي أسماها (الأسد الإسلامي).

وفي عام 1908م أصبح سليمان الباروني نائباً في مجلس المبعوثان بالآستانة عن ولاية طرابلس الغرب.وعندما غزت إيطاليا ليبيا عام 1911م، كان الباروني على رأس المجاهدين المناضلين لصد هذا العدوان الغاشم، وكانت له معهم صولات وجولات حتى عام 1916م عندما عينته الدولة العثمانية والياً على طرابلس الغرب، وفي هذه الفترة تفرغ لتنظيم الجبهة الداخلية، وحل المنازعات والمشكلات الداخلية وتنظيم القوات الطرابلسية، ثم أخذت تلك الكتائب تشن الغارات المنظمة على القوات الإيطالية.

وفي عام 1918م تم الإعلان عن قيام الجمهورية الطرابلسية وانتخب أربعة من رجال البلد أعضاء في مجلس الحكومة هم: سليمان الباروني ورمضان السويحلي وأحمد المريض وعبد النبي بن خير،كما انتخبوا مجلساً للشورى.وفي عام 1919م وبعد مفاوضات اتفق الطرابلسيون والطليان على (منح الشعب الطرابلسي دستوراً يخوله مباشرة حقوقه المدنية والسياسية، ويعطيه الحق في القيام بجميع واجباته الكبرى مثل الشعوب المتمدنة).

وفي نفس العام وضع القانون الأساسي (الدستور)، وعين بموجبه أعضاء مجلس حكومة القطر الطرابلسي وهم ثمانية،لم يكن من بينهم سليمان الباروني الذي اعتذر عن الدخول في المجلس، وما لبث الباروني أن غادر طرابلس إلى الآستانة في نوفمبر من نفس العام، ولكن صادف قدومه التغييرات الهائلة في بنية الخلافة العثمانية من أثر الانقلاب الكمالي، فعاد أدراجه إلى طرابلس.

وفي عام 1922م أجبرته السلطات الإيطالية على مغادرة طرابلس فتوجه صوب الآستانة، وهناك وجد أن الانقلاب الكمالي قد أتى على البقية الباقية من الدولة العثمانية. وحاول الباروني السفر إلى بلاد الشام أو مصر، ولكن السلطات الفرنسية والإنجليزية منعته من ذلك، فاجتاز رومانيا في طريقه إلى أوروبا وفي باريس اكتشفت السلطات الفرنسية أمره فمنعته من مغادرة البلاد، ولكنه استطاع مغادرتها بحيلة، وأبحر إلى تونس ولكن السلطات الفرنسية لم تسمح له بالنزول فيها فرجع إلى مرسيليا.

وفي عام 1924م غادر فرنسا بعد شفاعة الشريف حسين له لدى الفرنسيين، واستقر به المقام في عمان، وظل يتنقل بينها وبين العراق حتى وفاته عام 1940م في الهند أثناء رحلة علاجية.

وفي عمان تقلد عدداً من المناصب لدى الإمام محمد بن عبدالله الخليلي إمام عمان، ومارس منهجاً إصلاحياً، وقدم للبلاد مشاريع وأفكار سبقت عصرها، ولم يكتب له النجاح فيها بسبب عوامل لا مجال لذكرها الآن. راجع (سليمان الباروني في أطوار حياته، أبو اليقظان إبراهيم).

١٩ / ١٠٦