معالم للزمن القادم لخالد الوهيبي
الجزء ١ · صفحة ٥٤… وبسبب تأثير السلطة في عهد تدوين العلوم - وبخاصة الحديث - على واقع الفكر، وما أفرزته من صراعات حول منهج التعامل معها، صاحب ذلك سيطرة كبيرة للمدرسة الأثرية - التي وجدت نفسها في خندق واحد مع السلطة -، وفي تلك الفترة بدأت حركة التدوين والتأليف، وما إن انصرم القرن الرابع الهجري حتى تكاملت هذه المنظومة الفكرية، وغدت هي المسلمات التي يجب على العقل المسلم أن يمررها ويصبها في دماغه، وغدا أصحابها ومنظروها هم المتحدثون الرسميون باسم الإسلام، ووجدت المدارس الفكرية الأخرى نفسها خارج إطار هذه الدائرة فيما يسمونه بأهل (البدع والأهواء).
ولقد كان الانقلاب الذي قام به الخليفة المتوكل عندما (أمر بترك النظر والمباحثة في الجدال، والترك لما كان عليه الناس في أيام المعتصم والواثق، وأمر الناس بالتسليم والتقليد، وأمر الشيوخ المحدثين بالحديث وإظهار السنة والجماعة)(1) منعطفاً هاماً ونقطة حرجة بدأ العقل المسلم فيها بالتقهقر، وفقد قدرته على النقد، وفي المقابل فرضت
السلطة نوعاً من التفكير أضاع مبدأ الشورى ودوره في قيادة الأمة.
(1) مروج الذهب للمسعودي نقلاً عن السلطة في الإسلام ص144، عبد الجواد ياسين، ط المركز الثقافي العربي.