معالم للزمن القادم لخالد الوهيبي
الجزء ١ · صفحة ٨٤ومثال آخر بعض المرويات التي فيها الرضا بالواقع المر والتحذير من تغييره، وحقيقة إن مثل هذه المرويات يجب أن تدرس في ضوء الواقع التاريخي التي رويت فيها، حيث إنها ظهرت في أوقات تمكنت فيها بعض قوى الشر من السيطرة على مقدرات الأمة، فكرست جهودها لتخدير الجماهير الثائرة، وإبعادها عن الرغبة في تغيير الواقع، ومن تأمل الواقع التاريخي وجد أن الجيل الأول من الصحابة والتابعين لم يعرفوا مثل هذه المرويات، وإنما شاعت وذاعت بعد عهدهم بفعل العوامل التي ذكرناها، وهي مصادمة لأبسط دلالات العقل والنقل، ولا يعتد بعد ذلك إنها رويت في كتاب كذا أو كذا، ومن أمثال هذه المرويات ما رواه مسلم عن حذيفة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (يكون بعدى أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك. قال: تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع ). فأين هذه الرواية من قول الله عز وجل: ﴿ ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل - إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق ﴾ الشورى41-42، وقد كفانا الإمام الدارقطني أمر هذا الرواية بقوله: (هذا عندي مرسل لأن أبا سلام لم يسمع من حذيفة )(1) ، ومثل هذه الروايات لا شك أنها تشيع استكانة وتسليماً بالواقع المخالف للحق، وهذا كفيل بإهدار طاقات وقدرات أبناء الأمة، إن على الأمة بكافة أفرادها أن تسعى لحياة نظيفة ملؤها الإيمان، وإن الظلم ظلمات يوم القيامة.
(1) صحيح مسلم بشرح النووي (12/237)، ط دار إحياء التراث العربي.