معالم للزمن القادم خالد بن مبارك الوهيبي

معالم للزمن القادم لخالد الوهيبي

الجزء ١ · صفحة ٨٥

وأخطر من ذلك كله أن تحبس الأمة وتسجن في قفص التبعية لحفنة من البشر، يحاولون بكل ما أوتوا أن يصبغوا هذه التبعية بصبغة دينية تبرر هذه الانتكاسة، ولقد عانت الأمة من ذلك كثيراً عبر أدوارها التاريخية، بل أقول: إن معظم مشكلاتنا المعاصرة هي إفراز من إفرازات تلك القضايا، إننا نعاني من مشكلة اسمها التأريخ، وما لم نقف عند تلك المشكلات ونعالجها بكل وضوح وجرأة فسنظل ندور كما يدور الحمار بالرحى، إن البعض لا يزال يروج لتلك الانحرافات التاريخية، ويخترع لها شتى المعاذير والتأويلات، وإسقاطات تلك الأوضاع ما تزال تطاردنا في معالجتنا لكثير من قضايا الحياة، إن الوقوف أمام تلك الإشكاليات التاريخية ليس من قبيل المذهبية البغيضة ولا الطائفية المقيتة، إنما هو جهد فكري يتطلبه واقعنا لإخراج الطاقات الكامنة لهذه الأمة، والتي قتلتها تلك الأفكار، وحكمت علينا بالذل والهوان، ومن تلك الإشكاليات قضية اشتراط القرشية في الحكم(1) ،

(1) قال المستشار عبدالجواد ياسين في (السلطة في الإسلام) ص341- 344: ( أخرج البخاري في (صحيحه) من طريق الزهري قال: كان محمد بن جبير ابن مطعم يحدث أنه (بلغ معاوية -وهم عنده في وفد من قريش- أن عبدالله ابن عمرو يحدث أنه سيكون ملك من قحطان، فغضب فقام فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فإنه بلغني أن رجالاً منكم يحدثون أحاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأولئك جهالكم، فإياكم والأماني التي تضل أهلها، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين) .

ومرة أخرى يرد النص مسبباً من جهة الراوي غير مسبب من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم - . والراوي هو معاوية وسبب الرواية ، هو خوف معاوية من طموحات القبائل ونوازع الطامعين إلى السلطة. ويشير الغضب الذي أبداه معاوية إلى تلك الحساسية التي تكلمنا عنا. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا الموضع هو : لماذا يتصادف أن يسمع معاوية وعمرو حديث القرشية من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بينما لا يسمعه أبو بكر وعمر وسعد وعبدالرحمن وطلحة والزبير، على الرغم من أن هؤلاء هم الأطول صحبه والأكثر معية؟ وهل يحق لنا الاعتراض على من يربط في هذا الصدد بين الحاجة إلى التحديث وبين التصريح بالسماع؟ .

لقد كانت الحاجة إلى النص واضحة جلية، وهي دفع طموح القحطانيين إلى السلطة، أوسد الطريق أمام أية مطامع محتملة منهم فيها ، لا سيما وأن معاوية لم يفرغ بعد من سد المطامع المتبقية لدى سائر قريش، ولا من تهديدات الخوارج.

وكما أشار الحديث عن (الملك القحطاني) حساسية معاوية وفجر غضبه، فقد أثار مشكلة أمام الشراح السلفيين، من حيث كونه يناقض الروايات الواردة بالقرشية ، لا سيما وأنه مروي في (صحيح البخاري) من طريق أبي هريرة مرفوعاً على النحو التالي ( لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه). ويؤكده حديث آخر مروي عند أحمد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان هذا الأمر في حمير، فنزعه الله منهم، وصيره في قريش، وسيعود إليهم). وقد علق ابن حجر على هذا النص بأن (سنده جيد، وهو شاهد قوي لحديث القحطاني، فإن حمير يرجع نسبها إلى قحطان ).

ولأن هيبة البخاري السلفية لم تكن قد ولدت بعد، وكذلك لأن معاوية كان يفهم جيداً في مسألة التنصيص السياسي فقد بادر على الفور إلى رد حديث القحطاني، رغم أن الذي حدث به فيما بلغه هو عبدالله بن عمرو بن العاص. وقد اشتد معاوية في رده للحديث حتى وصف رواته بأنهم (جهال) يحدثون أحاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

أما شراح النصوص الذين أدركتهم هيبة البخاري، فقد كان عليهم مواجهة المشكل الذي يصنعه التناقض بين حديث القحطاني وأحاديث القرشية، من غير أن يضطروا إلى رد أي منها من جهة المتن، وكيف يردونها وقد وردت جميعاً بأسانيد صحيحة في صلب البخاري. فماذا صنعوا؟

كان الحل كالعادة –هو اللجوء إلى الوسيلة (الخالدة) المعهودة في فك التناقض (وكثيراً ما هو) بين النصوص المنسوبة إلى السنة، لا سيما النصوص الأخبارية والسياسية، ألا وهي (التأويل). وقد اقتضى الأمر هذه المرة من ابن حجر أن يلمز أبا هريرة، راوي حديث القحطاني، (وراوي حديث القرشية أيضاً) لمزاً صريحاً حين قال (ولعل أبا هريرة لم يحدث بحديث القحطاني حينئذ، فإنه كان يتوقى مثل ذلك كثيراً، وإنما يقع منه التحديث به في حالة دون حالة ، وحيث يأمن الإنكار عليه) وابن حجر يريد من وراء هذا اللمز، تفسير قول معاوية إن هذه الأحاديث لا تؤثر عن رسول الله، ليصل إلى أنها مأثورة عنه وأن أبا هريرة لم يخترعها اختراعاً، ولكن معاوية لم يسمعها منه. ولكنه في سبيل الوصول إلى هذه الغاية، وصف أبا هريرة بالجبن، وإخفاء النصوص (وهذا ضرب من التنصيص غير المباشر أو التنصيص بالامتناع). وإن صح ما يرجحه ابن حجر عن السكوت العمدي لأبي هريرة –وهو أمر لا نستبعده. من جانبنا- فإن معناه بالضرورة أن أبا هريرة كان على وعي (بالتناقض) بين هاتين الروايتين، راوية القرشية، وراوية القحطاني، الأمر الذي يدفع إلىالسؤال التالي:كيف يتسنى لأبي هريرة أن يكون راوياً لحديث القرشية المتفق عليه عند البخاري ومسلم، وراوياً في نفس الوقف لحديث القحطاني الذي يتصادف أن يكون بدوره متفقاً عليه أيضاً عند البخاري ومسلم؟ .

على أن هذا التناقض –وقد مر بنا الكثير من نماذجه في فقرات هذا الفصل-لم يعد يدهشنا في الحقيقة، لأنه أحد النتائج الضرورية لطوفان الرواية في عصر التدوين، ومع ذلك فنحن نعجب من الصورة التي ترسمها هذه الروايات للإسلام، إذ تبدو مناقضة تمام التناقض للصورة التي يرسمها له القرآن والسنة المتواترة ففيما يبدو الإسلام القرآني ديناً يخاطب الإنسانية كلها عبر الزمان والمكان، تصر هذه الروايات على الربط بين الإسلام ومفردات العرب التاريخية والإقليمية، فإذا خرج الأمر من يد قريش، فلا بد أن يكون إلى حمير، وكأن الإسلام والعالم سيظلان أبد الدهر في الجزيرة العربية. وكأن الإسلام لا يخاطب البشرية بأسرها والأرض بطولها وعرضها، وكأن هذه الروايات القرشية والقحطانية، شأنها في ذلك شأن أحاديث الفتن، تختزل العالم في العرب ما بين قحطان وعدنان وقريش.

فأما الإصرار على أن هذه الروايات (صحيحة) بسبب ورودها في البخاري ومسلم ، فهو يعادل الإصرار على وصم الإسلام بالإقليمية، وتلك جناية كبرى في حق الإسلام، تنطوي على ظلم فادح لحقيقته، تلك الحقيقة التي لا يجوز التعبير عنها، إلا من خلال الوحي الخالص، أي خلال من خلال النص الثابت ثبوتاً قطعياً لا شك فيه .

إن على العقل الإسلامي الراهن أن يختار بين خيارين لا ثالث لهما، بين المخاطرة بحقيقة الإسلام وسمعته في العالم، وبين التضحية بتلك القداسة الزائفة التي أضفاها السلف على أخبار الآحاد، حين رادفوا بينها وبين مصطلح السنة، لا سيما عند ورودها في البخاري أو مسلم. عليه أن يختار بين الإسلام في ذاته، أي الإسلام كما يعرضه الوحي الخالص ، أي النص الثابت ثبوتاً قطعياً لا شك فيه، وهو ما لا يتوافر إلا من خلال القرآن والسنة المتواترة العملية، وبين الإسلام في التاريخ، أي الإسلام كما كتب في عصر التدوين على يد فريق واحد من فرق السلف هو فريق أهل الحديث، الذي صنعوا بأنفسهم إشكالية الرواية وأحاديث الآحاد ، ثم راحوا يفرضون على الأجيال، حلولهم المقترحة لها من خلال المنهج الإسنادي التقليدي لعلم الحديث، وهو المنهج الذي لم يستطع أن يمنع ظهور هذه الروايات المناقضة للتاريخ، والمعارضة للقرآن، والمنافية لمنطق العقل الكلي المفطور).

٨٥ / ١٠٦