معالم للزمن القادم لخالد الوهيبي
الجزء ١ · صفحة ٩٧وردت في المهدي أحاديث عند الترمذي وأبي داود وابن ماجه والحاكم والطبراني وغيرهم، واختلف العلماء هل هي من قسم المتواتر أم لا؟، يذهب بعضهم إلى إنها كذلك، ويذهب آخرون إلى أنها لم تبلغ حد التواتر، وأن بعضاً من شروط المتواتر لا تنطبق عليها، فلا يقطع بثبوتها، ويقولون إن دعاوى التواتر ما أكثرها، لكنها لا تثبت عند التدقيق والتحقيق، ويذهب فريق ثالث إلى إنكارها رأساً معتمداً على بعض دلائل العقل والنقل(1) ،
(1) رغم كثرة الروايات الواردة في المهدي وتعدد طرقها، إلا أن المسألة تحتاج إلى مزيد نظر وبحث للاعتبارات الآتية:
- … التضارب في متون هذه الروايات، وعدم القدرة على تحديد مواقع ومعالم هذه الملاحم المذكورة فيها، وأرجع القارئ الكريم إلى معجم أحاديث المهدي من خمسة مجلدات، والذي ألفته مؤسسة المعارف الإسلامية، فإنك لا تكاد تنتقل من رواية إلا وتعجز عن فهم الرواية الأخرى، لما في متونها من اضطراب وتناقض كبير، بل وهذه الكثرة الكاثرة من الروايات حول هذه القضية تبعث على الدهشة والاستغراب لعدم جدواها في واقع المسلمين ودينونتهم لربهم، في حين أن قضية كقضية التوحيد في القرآن الكريم لم تتضخم نصوصها لتصل إلى هذا الحد الذي بلغته أحاديث المهدي، وهذه العناية المفرطة بهذه القضية لدى المدارس الأثرية المختلفة ما هو إلا اجترار لأدبيات الصراع السياسي بين أفراد الأسر القرشية المتنازعة على السلطة، والتي تعدى صراعها ميادين القتال إلى الحرب الإعلامية بالنصوص، وهو ما يسميه بعض المعاصرين بـ( التنصيص السياسي).
- … ما تقدمه هذه الروايات هو في جملته نفس ما تقدمه روايات القرشية في الحكم، والتي تكلمنا عنها، وقلنا إنها تعكس الواقع الإقليمي القبلي للصراع بين الأسر القرشية وغيرها، وهي في مجملها مصادمة للنصوص القاطعة التي لا تفرق بين جنس وآخر، ولا تجعل لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى، وكذلك الحال بالنسبة إلى الروايات الواردة في المهدي التي تحاول إعطاء فكرة القرشية امتداداً تأريخياً يستمر إلى آخر الزمان.
- … والملاحظ كذلك أن المهدي ليس وحده في الساحة، فهناك روايات السفياني المنتظر والقحطاني المنتظر وهي موجودة في الصحاح والسنن، وهذا وحده كاف لإعطائنا البعد السياسي التأريخي لهذا اللون من المرويات.
- … الطابع المثيولوجي(=الأسطوري) واضح كل الوضوح على هذه المرويات، والتي يُشتم منها رائحة الإسرائيليات، بل وبالتتبع والفحص وجد أن بعضاً منها نُقُول صريحة عن مسلمة أهل الكتاب(راجع كتاب الفتن لنعيم بن حماد شيخ البخاري) الذين ما فتئوا يروجون لمثل هذه الأساطير الميتافيزيقية بين المسلمين، وعلى رأس هؤلاء كعب الأحبار، ومن المعلوم أن بعض الصحابة قد تتلمذوا على يد كعب من أمثال أبي هريرة وابن عباس وعبدالله بن عمرو بن العاص، ولذلك فإن على الباحثين أن يتنبهوا لمرويات أمثال هؤلاء الصحابة في مثل هذه القضايا، إذ أن ما يرفعونه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قد اختلط بمروياتهم عن مسلمة أهل الكتاب، وهذا يفسر انتشار الظاهرة المثيولوجية في مرويات بعض الصحابة كأبي هريرة.( وفي سير أعلام النبلاء (2/606) والبداية والنهاية لابن كثير(8/109) عن بسر بن سعيد- وهو من كبار التابعين، ومن رجال الستة- قال: ( اتقوا الله وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويحدثنا عن كعب، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب، ويجعل حديث كعب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) ). راجع مقدمة كتاب العلو للعلي الغفار للذهبي ص29 التي كتبها السيد حسن السقاف، ط دار الإمام النووي.
- … قضية شكل السلطة من القضايا المسكوت عنها في القرآن الكريم، ولذا فإن القواعد العامة في الكتاب العزيز والسنة المتواترة هي التي تحكمها وتنظمها كالشورى والعدالة والحرية والمساواة، وما عدا ذلك فإن المرجع فيه إلى الأمة فيما تراه مناسباً زماناً ومكاناً بما ينسجم مع القواعد العامة المستفادة من النصوص، وهذا هو الذي يعطي للدلالات القرآنية ديمومتها الزمانية وسقفها العالي الذي يتسع للعالم أجمع.ولكن الملاحظ أن روايات المهدي المنتظر أو الغائب-كما في بعض الأدبيات الأثرية- تنسف هذه القناعات نسفاً، وتعطي القضية أبعاد النسب والنقاء العرقي والاستبداد بالسلطة والنص الإلهي في التعيين، وهي كما أسلفنا دلالات تخالف الدلالات القرآنية القطعية.
- كان من آثار انتشار روايات المهدي تأسيس نظريات الغيبة والانتظار، المؤدية بدورها إلى السلبية تجاه قضايا الأمة كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بواجب العدل والسعي للحياة الإسلامية النظيفة، واختلفت درجات هذا التأثير بقدر تحكيم هذه الروايات في واقع الفكر، وأحد المدارس الأثرية التي عمها تيار المهدي ظلت قروناً طويلة تعاني من داء السلبية والانتظار حتى نفضت يدها منها،وبدأت بالالتفاف حول تلك النظريات بالقول بالنيابة العامة التي تطورت من بعد إلى ولاية الفقيه، ثم المطالبة بعدها بالشورى ورفض كل النظريات المتولدة من إرهاصات القول بنظرية المهدي المنتظر أو الغائب. راجع كتاب تطور الفكر السياسي الشيعي، أحمد الكاتب، ط دار الجديد.
- هذه الروايات كلها في حقيقتها ذات طابع أخباري بحت، بمعنى أنه كان يجب بجانب فحص أسانيدها ومتونها، أن تخضع لمنهج الرواية التأريخية القائم على المطابقة للواقع وقبول العقل لها، وبإعمال هذا المنهج سوف يتبين أن بعضها -في حقيقته- ما هو إلا محاولة لقمع طموحات قبائل معينة باسمها في الحكم، أو هو تصوير لبعض الملاحم المتوقعة في القريب بناء على بعض الحسابات السياسية أو ما شابه ذلك، لأن مفردات تلك الروايات لا تصلح إطلاقاً لوصف أحداث آخر الزمان، إذ أنها تنتمي في مفرداتها وتراكيبها إلى القرنيين الثاني والثالث الهجريين، بل إن بعضها تصوير لملاحم وقعت بكافة تفاصيلها.
ولعل كلام السيد محمد رشيد رضا كان أقرب إلى الصواب عندما أكد أن في ( روايات الفتن و أشراط الساعة من المشكلات والتعارض ما ينبغي لك أن تعرفه إجمالاً) تفسير المنار 9/488 .
… وأكد على ضرورة البحث في هذا الموضوع الأستاذ سيد قطب في الظلال 16/13 ( نقلاً عن كتاب الصراع بين الإيمان والمادية، أبو الحسن الندوي) عندما قال: ( ولا تزال أبواب الفتن والملاحم والأحاديث التي جاءت في أشراط الساعة وما كان ويكون بين يدي الساعة، تنتظر باحثاً عالي الهمة، راسخ القدم في العلوم الدينية، عالي الكعب في التأريخ … ... ).