الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 3
الجزء ٣ · صفحة ٦الموضوعات التي استأثرت بشعره تؤكّد على الصّبغة الدّينيّة، التي لا تقبل الفصل بين ما هو ديني وما هو غير ديني فيه ؛ لأنّه أصلا لا وجود لهذا التّقسيم في هذا الشّعر. ففيه حديث عن العقيدة الإسلاميّة بمسائلها المختلفة، وتناول لواقع المسلمين في آمالهم وآلامهم، والتّركيز على الابتهال والدّعاء والذّكر، ثمّ توجيه خطاب متعدّد الأشكال، متنوّع الألوان إلى المسلمين؛ ليحرّك فيهم هممهم، ويشحذ عزائمهم، ويخاطب ضمائرهم، حتّى ترجع وتبقى في دائرة الإسلام. ثمّ يخصّ الشّعب العماني بالخطاب. وذلك بتذكيره بما له وما عليه نحو دينه، واستنطاق تاريخه واستلهامه، والإشادة بمآثر أسلافه وآثار أجداده، وتسجيل المنجزات الحضاريّة لهذا الشّعب الأبيّ، ورثاء العلماء المصلحين، وتوجيه النّظر إلى أخذ العبر من حياتهم في الاستقامة والسّلوك والعمل والدّأب والنّشاط وخدمة الإسلام والمجتمع…يقول الدّكتور محمد ناصر " لقد كان أبو مسلم يتّخذ من التّاريخ عبرة لبثّ الرّوح الاستنهاضيّة في القلوب، فالتّاريخ عنده ليس افتخارا أو ادّكارا فحسب، بل هو قبل هذا وذاك اعتبار ومقارنة، حثّ ومواكبة. وما وقفاته عند صور البطولة والجهاد إلاّ إحياء لهذه المعاني في النّفوس، لأنّ الصّراع بين الحقّ والباطل كما كان في القرن الأوّل والثّاني الهجريين، هو الصّراع نفسه في القرن الرّابع عشر الهجري، وإن اتّخذ لبوسا مختلفا وأرضيّة مغايرة ، والدّارس عندما يريد استجلاء هذا الجانب الهام في شعر أبي مسلم ينبغي عليه أن يلمس ذلك من خلال الدّيوان كلّه؛ إذ لا يجد الاستنهاض فيه موضوعا خاصّا أو اتّجاها معيّنا في هذه القصيدة أو تلك؛ لأنّ الاستنهاض موجود وراء كلّ كلمة يقولها الشّاعر، خاطب بها نفسه أو غيره، ابتهل إلى الله متضرّعا، أو عاتب قومه محفّزا، وهو على وعي كامل بهذه الرّسالة التي ندب شعره لها. " (1) وهذا
(1) 10) أبو مسلم الرّواحي جسّان عمان ، ص : 125 .