الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 3
الجزء ٣ · صفحة ١٢إنّ هذا تأكيد لما ذهب إليه عمر الدّسوقي عن معاني شعراء الإحياء وصورهم : " أمّا معانيهم فليس فيها جديد إلاّ النّادر … ومعظمها مأخوذة من الأدب العربي القديم، أو من المعاني المتداولة، وخيالهم تصويري، ومبني على الاستعارة والتّشبيه والمجاز. بل كثيرا ما تكون تشبيهاتهم غير مجارية لزمانهم أو بيئتهم، وإنّما نهجوا فيها نهج العرب الأقدمين، متأثّرين بالقوالب المحفوظة والعبارات المتداولة." (1)
_ ممّا يميّز شعراء مدرسة الإحياء اللّجوء إلى معارضة القدماء فيما كتبوه شعرا؛ إعجابا بمعانيهم، وتقديرا لأفكارهم، واحتفاء بأساليبهم، وانبهارا بصورهم . وربّما يكون ذلك قدجاء بدافع إبراز قدرتهم على مجاراتهم ، وربّما التّفوّق عليهم.
_ سار الإحيائيّون على نهج القدماء في بناء القصيدة؛ وذلك بِعَدّ البيت وحدة مستقلّة، ليست له علاقة بالأبيات الأخرى في هندسة القصيدة، وتنامي معانيها وبنائها، ولا يرون ضرورة توفير الوحدة العضوية فيها، وهو " ما جعل طبيعة النّظم تنصرف عن التّدرّج النّامي في كتابة القصيدة، ورسم صورها، ذلك لأنّ الصّياغة اللّفظيّة هي الشّغل الشّاغل الذي كان يستأثر بجهود القدماء . " (2)
هذه الخصّيصة وإن كانت بارزة في شعر الإحيائيّين إلاّ أنّنا يجب أن لا نسرف في عدّها عيبا كبيرا، ونقصا أو قصورا في الكتابة الشّعريّة ، بل يجب أن نناقش ونحلّل هذه الظّاهرة أو هذه الميزة على ضوء الظّروف التي كان يتحرّك فيها هؤلاء الشّعراء وينظمون ما يحسّون به، ويقدّمونه بالطّريقة التي يحذقونها ، ويملكون أدواتها، ووفق ما كانوا يخطّطون له ويرسمون، ووفاقا لما يهدفون إليه من كتابة الشّعر. إذ بذلك نتمكّن من فهم طبيعة البناء الذي اختاروه لكتاباتهم.
(1) 24) الدكتور عمر الدّسوقي ، في الأدب الحديث ،ج2 ، دار الفكر العربي ، القاهرة، ( د .ت ) ص : 339 .
(2) 25) مدرسة الإحياء والتّراث ، ص : 297 .