الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 3
الجزء ٣ · صفحة ١٧وقد تجلّت الحكمة في شعر أبي مسلم في أبياته الوعظيّة وفي مراثيه بخاصّة، وفي طيّ بعض قصائده بعامّة. وقد دارت معانيها – غالبا – حول التّامّل في الدّنيا وأحوالها وعلاقة الإنسان بها إيجابا وسلبا، والإفادة منها، والانخداع إليها، والاعتبار منها وبأفعالها. وقد حاول الشّاعر تبصير النّاس بما لهم وعليهم نحوها. كما تناول موضوع صراع الإنسان معها، وموضوع النّفس البشريّة ونظرة الإنسان إليها. وقدّم تأمّلات في الحياة والموت بعامّة؛ ممّا يدخل ضمن رسالته التّوجيهيّة، وفق الخطاب الدّيني الذي ميّز شعره، الذي هو شعر رسالي، يحمل أمانة . كما كان أو هو دأب وشأن الإحيائيين عامّة. وبرزت الحكمة أيضا في أسمى معانيها، وأجلى صورها، وأعمق دلالاتها، وأرقى أسلوبها في قصيدته " في المواعظ " (1)
الدّنيا
لأبي مسلم نظرات عميقة وتامّلات مهمّة، ووقفات مركزّة هادفة في الدّنيا وأحوالها وطبيعتها، أنتجت تلك الحكم وتلك الأقوال، التي سارت سير الأمثال، واتّخذت طابع التّقريرات والقوانين الحياتيّة.فإنّ مراثيه مليئة بهذه الأقوال، وبخاصّة الحديث عن الدّنيا " ففي أغلب قصائد الرّثاء نجد عنده المقدّمات ذات الطّابع الحكمي أو الوعظي. هذه المقدّمة عادة ما يتّخذها مخلصا إلى الولوج إلى موضوع الموت والفناء المحتّم، باعتبار هذه النّهاية من عيوب الدّنيا التي أسرت النّاس وخلبت ألبابهم ، فركنوا إليها ونسوا آخرتهم." (2)
قال في مقدّمة قصيدة رثى بها الشّيخ الحاج محمد بن يوسف طفيش( ت 1332هـ/1914م)
عش ما تشاء وراقب فجعة الأجل سينقضي العمر في بطء وفي عجل
تلهو بتصويرك الآمال مغتبطا وبين جنبيك ما يلهي عن الأمل
تناقلتك ليال غير راجعة وما تجاهك يوم غير منتقل
ماذا يغرّك من دنيا نضارتها نهب المنون ومجراها إلى الزّلل
(1) 29) ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ، ص : 367 وما بعدها .
(2) 30) أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان ، ص : 146 .