ندوة الخطاب الديني في شعر أبي مسلم البهلاني الرواحي مجهول

الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 3

الجزء ٣ · صفحة ١٨

قالوا دسائسها في طيّ زخرفها وقلت قد صرّحت بالسّمّ في العسل

لم تخفِ عيبا ولم تأخذ مخالسة ولا الهناء بها إلاّ على علل

هل في مصارع أجيال بهم فتكت عذر المحيل عليها شنعة الأمل

فما التّهافت منّا في مهالكها جهل بماض ولا علم بمقتبل

ما باينتك عواديها مصادقة ولم تعاهدك أمنا غارة الغيل

رأي الرّكون إلى آفاتها سفه وصفوها بين نابي مهلك جلل

ما شأن صولاتها البقيا على أحد وإنّما أجل يتلو خطى أجل(1)

المعاني التي ضمّنها الشّاعر هذه الأبيات هي كالآتي : إنّ الموت يدرك الإنسان لا محالة، وإنّ العمر سينقضي في مهل وفي عجل، والإنسان يتعلّق بالآمال وينسى أنّ العمر أمل ينهيه أجل. وفي لفتة وتذكير يبيّن أنّ الدّنيا نضارة يفنيها الموت، وزخارف منطوية على السّمّ في العسل، وأنّ هذه الدّنيا لم تخفِ عن النّاس دسائسها ، ولا تأخذهم خلسة، فهي واضحة في طبيعتها، بيّنة في أفعالها. لكنّ الإنسان هو الذي لا يعي ولا يرعوي ولا يحتاط لنفسه منها. وهي ليس في نيّتها الإبقاء على أحد. بل على العكس من ذلك هي تسعى دائما للإفناء والإهلاك. يتساءل الشّاعر بعد ذلك لم هذا التّهافت على هذه الدّنيا ؟ ولم التّدافع نحوها ؟ إنّ هذا الذي يبديه الإنسان تجاهها سفهٌ في الرّأي وخطل في العقل وخطأ في التّصرّف.

فالشّاعر من خلال هذه الأفكار، وهذه المعاني، وهذه اللّفتات يوجّه النّاس إلى فهم طبيعة الدّنيا وحقيقة تصرّفاتها، والتّعامل معها بما يدعو إليه الدّين، ويمليه العقل، ويقتضيه الحزم والمنطق. وقد صاغ ذلك في جمل وتراكيب موجزة محكمة البناء، كثيرة الرّواء. اتّخذت طابع الحكمة؛ بما يدرجها ضمن الخطاب الدّيني.

(1) 31) ديوان أبي مسلم 0 نشر الحارثي ) ، ص : 385 .

١١٦ / ١٧١