الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 3
الجزء ٣ · صفحة ١٩وفي قصيدة ثانية رثى فيها الحاج محمد بن يوسف طفيش أيضا، التي تعدّ ستّة وخمسين ومائة بيتٍ. كانت البداية فيها أيضا الحديث عن الدّنيا وأحوالها، وقد امتدّ ذلك إلى خمسة وثلاثين بيتا(1)
كان الشّاعر ينعى على الانكباب على الدّنيا رغم أنّها تسعى إلى الإبادة والإفناء، ويلوم على الحرص على جمع حطامها ، رغم أنّ هذا الحطام آيل إلى الفناء، وأنّ هذه الملذات صائرة إلى الهباء. ويدعو إلى التّخلّي عن التّدافع على هبات الدّنيا؛ لأنّها كثيرا ما تعود على هباتها فتأخذها. بل هي تمنّي وتعد، وما تعد إلاّ غرورا، فهي لا توفي ولا تنجز . ولنتأمّل هذين البيتين:
تكالب فيها أهلها وتذودهم وعمرك لو كنت اعتبرت تذود
وإنّك إن تسكن إليها تركتها وليس بها ممّا تركت حميد(2)
يتأمّل هذا التّقابل والتّناظر في المعاني : فإنّ النّاس يتهافتون على طلب الدّنيا وما فيها من زخارف، وهي تدفعهم، ولا تحقّق لهم ما يصبون إليه وما يريدون منها. ولو كانوا حصفاء وحكماء وحلماء لكانوا هم الذين يدفعون الدّنيا وينبذونها؛ لأنّها شحيحة لئيمة، ناقضة العهود، ماكرة غرّارة، كما وصفها الشّاعر نفسه في القصيدة.
في البيت الثّاني يقول الشّاعر إنّك إ ن تركن إليها وتسكن وتلجأ، فسوف تتركها وتبتعد عنها، لأنّك لا تطيقها. وليس فيما تترك أسف أو حسرة؛ لأنّه ليس فيه ما يحمد، فكلّ ما يأتي منها شؤم ولؤم.
كما نلمس ونقف على التجربة والخبرة في هذه الأبيات التي تحدّث فيها عن الدّنيا ، من خلال التّذييل الذي كان يذيّل به كلّ بيت ، إلى جانب ما نتحسّسه من الصّياغة المحكمة والإيجاز المعجز:
تساور ملحاحا على أخذ فائت نعم كلّ ما يرجو الحصاد حصيد
تعزَّ عن الدّنيا وأيقن بأنَّها لئيمة طبع في الهبات تعود
تمنّيك بالآمال وهي شحيحة وتعطيك لين القول وهي حقود
(1) 32) ينظر ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ، ص : 392 ، 393 .
(2) 33) م . س ، ص : 392 .