ندوة الخطاب الديني في شعر أبي مسلم البهلاني الرواحي مجهول

الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 3

الجزء ٣ · صفحة ٢٢

الجديد في هذه الأبيات – وإن كانت المعاني متداولة، والأفكار متناولة – هو توجيه النّظر وإيقاف المخاطبين على أماكن التّجربة والخبرة من هذه الدّنيا ؛ عسى القوم يذّكرون وينتهون وينتبهون من غفلتهم، ويفيقون من غفوتهم.

ما جمّل هذه الحكم المتتالية وهذه الصّور الملتقطة من الواقع لجوءُ الشّاعر إلى تعبير قرآني ، صوّر من خلاله استحالة النّجاة من مكايد الدّنيا ، إذا ارتمى الإنسان في أحضانها ، ووقع أوقبع في محاجرها. كما أنّ ابن نوح عليه السّلام، الذي ظنّ أنّه سينجو من الغرق ، إن هو آوى إلى جبل، يعصمه من الماء . قال له أبوه لا عاصم اليوم من أمر الله، ولا نجاة لك من الغرق. قال الله تبارك وتعالى ﴿ … ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بنيّ اركب معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوي إلى جيل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلاّ من رحم وحال بينهما فكان من المغرقين ﴾ (1)

كما تعزّزت قيمة هذه القصيدة أنّ فيها روحا من لامية ابن الوردي، التي هي كلّها حكم وأمثال وتجربة وتوجيه وتبصرة…

خلاصة القول إنّ أبا مسلم نظم ثماني قصائد في الرّثاء ، سبعة منها كانت الدّنيا من بين الموضوعات التي تناولها فيها، وبشكل مستفيض مع تنويع المعاني فيها، وإن كانت هذه المعاني مكرّرة في القصائد السّبع. وما يهمّنا هو الطّابع الدّيني الذي طبع معاني هذا الموضوع.أمّا القصيدة التي خصّصا كلّها للحديث عن الدّنيا ، إلاّ أبياتا قليلة تحدّث فيها عن الموت وما بعد الموت فهي التي قدّمت في الدّيوان هكذا " وقال رحمه الله واعظا "وهي تعدّ ثمانية ومائة بيت (2)

الحياة والموت

(1) 42) سورة هود ، الآيتان : 42 ، 43 .

(2) 43) ينظر ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ، ص : 374 وما بعدها .

١٢٠ / ١٧١