الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 3
الجزء ٣ · صفحة ٢٣ما له علاقة وصلة بالدّنيا وأحوالها الحياةُ والموتُ . فالإنسان يحيا في الدّنيا بطموحه وآماله، ويتقلّب فيها بأعماله وأفعاله وأقواله، يجهد نفسه للإفادة منها ، والاستمتاع بملذّاتها ، والتّفنّن في استثمار زخارفها ومتاعها . والنّاس غالبا ما يشرئبّون ويتطلّعون إلى الحياة النّاعمة المترفة. هذه الحياة ينهيها الموت، وترديها المنيّة .
حاول الشّاعر أن يقدّم صورة عن الحياة والموت، مستوحاة من تأمّلاته فيهما، مصبوغة بروح دينيّة. ففي رثاء الشّيخ أحمد بن سعيد الخليلي يذكّر النّاس بحقيقة الموت الذي لابدّ منه. وهذا الموت الذي ينهي الحياة ويوقف الطّموح ، ويصدّ أو يردّ الآمال، لا يكون فيه العبرة للنّاس. فكعادة الشّاعر فإنّه ينعى التّمسّك بهذه الحياة والتّعلّق والكلف بها ، والمنيّة لها راصدة، وأسهمها صادرة واردة، وآساد الآجال حاردة، ومناجلها حاصدة… يلوم من ينشد صفاء العيش وطيب الحياة، بينما الموت يحارب هذا الصّفاء وهذا الطّيب :
أما ترعوي في مراعي الغرور وصائدة المنتهى راصده
تعيش بها بين مفقدة وراقبة حتفها فاقده
نَهَشُّ إلى زخرف منقض ونعرض عن دارنا الآبده
وننسى المنايا وقد أنفذت مقاتلنا الأسهم الصّارده
نروح ونغدو على مأمن وآساد آجالنا حارده
ننازع أيّامنا صفوها وما للصّفاء بها واجده
ونأمن فيها هجوم الرّدى وليس لهجمته جاحده
وهيهات قد بادرت زرعها ومدّت مناجلها الحاصده
ويدهى الوديعَ بنعمائه زوالُ معيشته الرّاعده
متى ينزع الموت عن فتكه فتبقى لمولودها الوالده
يحزّ الحياة شبا قارظ ولم تنتبه هذه الرّاقده
وإنّ حياة إلى منتهى خيال يحول بلا فائده (1)
إنّ الشّاعر ينبّه إلى الغفلة التي يتّسم بها الإنسان في هذه الحياة،فيغدو ويروح، يمرح ويسرح، ولا يدبّر حاله، ولا يفكّر في نفسه، ولا يراقب حركاته وسيرته، وهو يعلم أنّ الآجال له بالمرصاد، عبّر عن ذلك بالآساد الحاردة .
(1) 44) م . س ، ص : 413 ، 414 .