الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 3
الجزء ٣ · صفحة ٢٤وفي صورة أخرى يؤكّد هذا المعنى، ويعبّر عنه بطريقة أخرى، وهي أنّنا في هذه الدّنيا زرع نحيا ، والموت يرسل مناجله فينا، فيحصدنا. أي هو يخترمنا ونحن في عزّ حياتنا ، وفي أتمّ نضارة عيشنا. هذا هو النّغص والتّكدير أو الكدر. ألا نرعوي ، و نعتبر ؟!
يحزّ الحياة شبا قارظ ولم تنتبه هذه الرّاقده
ولهذا فإنّ الحياة التي لها نهاية ، والعيش الذي له انقضاء لا فائدة منهما، ولا رغبة فيهما ولا أمل يعقد عليهما. فالأحسن ألاّ نحفل بهما :
وإنّ حياة إلى منتهى خيال يحول بلا فائده
وفي رثاء الشّيخ سالم بن أحمد الرّيامي قاضي الجزيرة الخضراء بزنجبار يبدأ الشّاعر القصيدة بحديث عن الحياة والموت ، في أبيات عديدة، تكاد تحمل فكرة واحدة ، هي انتهاء الحياة بالموت ، وإظهار الاستغراب ممّن لا يعتبر بهذه النّهاية؛ فيطلّق الدّنيا ، ويتزّود من هذه الحياة بما ينفعه في الأخرى والعقبى:
تزوّد منه للعقبى ودعه فليس الشّأن في الفاني المهين
وطلّق هذه الدّنيا بتاتا طلاقك لا أليكِ ولا تليني (1)
افتتح القصيدة بقوله :
تهدّ العمر رائعة المنون وحدّ الحيّ إتيان اليقين (2)
قاعدتان لا تتخلّفان: العمر يقصف ويدكّ بالموت . والمرء تحدّ حياته باستسلامه؛ حين يناديه ما هو متيقّن من مجيئه، وطلبه له، وهو الحقّ المبين، كما عبّر في القصيدة نفسها :
يثبّطنا من الآمال وهم ويُجلَى الوهم بالحقّ المبين (3)
استعار الشّاعر في مطلع القصيدة تعبير القرآن نفسه عن هذه الحقيقة، ممّا أضفى على الفكرة أو المعنى جلالا وجمالا، وأعطاها صفة القاعدة التي لا تتخلّف.
قال تعالى : ﴿ وكنّا نكذّب بيوم الدّين حتّى أتانا اليقين ﴾ (4)
وقد وظّف الشّاعر العبارة نفسها في موضع آخر :
(1) 45) م . س ، ص : 418 .
(2) 46) م . س ، ص: 417 .
(3) 47) م .، ن .
(4) 48) سورة المدّثر ، الآيتان : 46 ، 47 .