الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 3
الجزء ٣ · صفحة ٢٧في الحقيقة إنّ هذه الظّاهرة تميّز بها شعراء مدرسة الإحياء بعامّة. وهي تأتي نتيجة لعدم احتفائهم بالنّاحية الفنيّة في الكتابة الشّعريّة، بقدر احتفالهم بالفكرة والمعنى . المهمّ عند أبي مسلم أن يعبّر عن مكنونه بأيّة طريقة، وبأيّة وسيلة، تمكّنه من أداء رسالته التّوجيهيّة الإرشاديّة، وتساعده على بلوغ خطابه إلى متلقّيه.
إنّ ما استشهدنا به في موضوع الحياة والموت، الذي اتّخذ طابع الوعظ والحكمة، يدلّ على الخبرة الواسعة والتّجربة الثّرّة اللّتين تمتّع بهما أبو مسلم مع الدّنيا والدّهر بخاصّة، والحياة بعامّة. وهو ما أعانه على التّوسّع في إيراد هذه المعاني، وتقليب النّظر ، والتّأمّل في الخبايا والخفايا. يقول الدّكتور محمّد ناصر : " فأبو مسلم يمكن أن يسلك من هذا المنظور الدّيني في عداد هؤلاء الشّعراء الذين دفعهم زهدهم في الحياة الدّنيا إلى التّأمّل الدّائم في حقيقة الحياة والموت." (1)
هذه بعض الشّذرات التي تكشف لنا عن جانب الحكمة في شعر أبي مسلم البهلاني، وهي مبثوثة كثيرا فيما كتب شعرا. هذا الميدان كشف لنا عن مؤهّلات توفّر عليها الشّاعر، تتمثّل في العمق في التّفكير، وسداد في الرّأي، وبعد نظر في الأمور، وكفاية عالية في تحليل الأوضاع، وطول نفس في تقديم كلّ ذلك شعرا، وقدرة وبراعة في صياغة هذه المعاني والأفكار بأسلوب رصين، ولغة قويّة، وتراكيب جيّدة. وقد كان للفكر والعقل دورهما في بلورة كلّ ذلك. وهو ما يتميّز به الشّعراء الكلاسيكيّون وأصحاب مدرسة الإحياء بعامّة . ويعدّ أبو مسلم الرّواحي رائدا في هذا المجال، ومبرّزا في هذا المضمار.
(1) 61) أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان ، ص : 147 .