الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 3
الجزء ٣ · صفحة ٣١غادرت في أنفس الأكوان حشرجة فإن قضى الكون فاستسلم ولا تسل (1)
وقال في رثاء الشّيخ نور الدّين السّالمي :
أقدّرت لي جلدا يقاوم نكبتي فاليوم لا جلدي ولا أقداري
ناهيك من جلدي يقيني بالرّضا والسّخط في أنّ المقدّر جاري (2)
من هذه الوخزات أو هذه اللّفتات تكراره- وفي كثير من المرّات وهو يرثِي علما مصلحا عاملا – أنّه لن تقوم لهذا الدّين قائمة، ولن تستقيم حياة النّاس . مثلما قال في رثاء الشّيخ السّالمي :
بعد عبد الله يبقى أمل للهدى ، هيهات قد شطّ الأمل
خلّها يا ابن حميد تلتوي فتنة عمياء كاللّيل المضل
ليس يغني عنك فيها أحد طمست إذ ذهب النّور السّبل(3) )
وقال في رثاء الشّيخ سالم بن أحمد الرّيامي :
وفقدك لاقتراب الحشر نوع من الأشراط في أخرى القرون
وأرباب الكمال إذا تولّوا تولَّى الخير في دنيا ودين
أبعدكم رجال الدّين يرجى صلاح الأرض أو جبر الوهين(4)
أين الحقيقة في هذه النّظرة ، وهذا الشّعور؟ تفسير ذلك عندي أنّ الشّاعر كان يخاف على ضياع هذا الدّين، فكان يهيب بالأحياء – عن طريق هذا الخطاب – أن يقوموا ليتكفّلوا به، ويعملوا على إحياء ما اندرس ، وإقامة ما طمس. أي هو يخز نفوسهم ويحرّك ضمائرهم ويمسّ شعورهم بهذا الخطاب ؛ ليصل إلى هدفه ، وهو حماية الدّين.
هذا العمل أو هذا التّوجّه ينطلق ويصدر من رسالته في هذا الوجود، التي تجعل للشّعر وظيفة وغاية. وهذا الصّنيع يحشره في زمرة شعراء الإحياء، الذين عنوا بالبعث والإحياء والنّهضة. فإنّ الشّاعر أبا مسلم أراد أن ينهض بالدّين ، ويبعث الأمّة الإسلاميّة، ويحيي المآثر.
(1) ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ص : 387 .
(2) م . س ، ص : 403 .
(3) م . س ، ص : 411 .
(4) 70) م . س ، ص : 421 .